لما فيه من تعريض الأولاد للإرقاق، لكنه جائز عند خوف العنت وفقد الطول، دفعا لمفسدة وقوع التائق في الزنا الموجب في الدنيا للعار وفي الآخرة لعذاب النار.
فإن قيل: كيف يحرم تحصيل مصلحة ناجزة محققة لتوقع مفسدة ممهلة؟ قلنا لما غلب وقوع هذه المفسدة جعل الشرع المتوقع كالواقع، فإن العلوق غالب كثير، والشرع قد يحتاط لما يكثر وقوعه احتياطه لما تحقق وقوعه. ألا ترى أن من أثبت أن أباه مات فإنه يلزمه حصر الورثة فيه، وإن أثبت نفي الزوجات والآباء والأمهات لم ينفعه الإثبات، وإن كان الأصل عدم من سوى الأصول والزوجات، وذلك احتياط لما يتوهم وجوده من الورثة.
فإن قيل لو طلب هذا الأمين من التركة درهما واحدا وهي عشرة آلاف، فهل يدفع إليه شيء قبل الحصر أم لا؟ قلنا نعم يدفع إليه ما يقطع بأنه يستحقه إذا كان عدد الورثة لا ينتهي إلى مثل عدد التركة في العادة، كما يدفع إلى ذوي الفروض فروضهم عائلة، إذ من المحال في العادة أن ينتهي عدد الورثة إلى ألف أو ألفين فما النظر بعشرة الآلاف.
فإن قيل: إذا تزوج الأمة حر مجبوب الذكر والأنثيين فليجز ذلك مع أمن العنت ووجدان الطول إذ لا يتوقع له ولد فيرق؟ قلت: إن ألحقنا به النسب جاز كغير المجبوب وإن لم يلحق به النسب فالذي أراه جواز ذلك إذ لا مانع منه.
المثال الثلاثون: تزوج الضرات بعقد أو عقود مفسدة؛ لما فيه من الإضرار بالزوجات، لكنه جاز أن تضر كل واحدة منهن بثلاث نظرا لمصالح الرجال وتحصيلا لمقاصد النكاح، فإن خيف من الجور عليهن استحب الاقتصار على واحدة أو سرية، دفعا لما يتوقع من مفسدة الجور، وحرمت الزيادة على الأربع نظرا للنساء ودفعا لمظان جور الرجال على الأزواج، كما جاز كسر المرأة بثلاث طلقات ولم تجز الزيادة عليها نظرا لمصالح النساء وزجرا للرجال عن تكثير مفسدة الطلاق.