الصفحة 16 من 39

... فيقولون: حفر النهر ، يريدون المحل ، وجرى النهر ، وهو الماء ووضعت والميزاب وهو المحل ، وجرى والميزاب وهو الماء ، ونحو ذلك (60) .

... ونظيره هذا المثال ، {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} فقد جاء استعمال العرب لها تارة للمكان ، وتارة للسكان ، وقد جاء القرآن بذلك كله . قال تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} (61) .

... وقال في آية أخرى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} (62) ، فالمراد بالقرية هنا السكان ، وكذلك قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} (63) ، والمراد السكان .

... وقد أطلق لفظ القرية ، وأريد به المكان ، قال تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} (64) الآية .

... فالحاصل أن العرب تطلق هذا اللفظ ، وتريد به تارة المكان ، وتارة السكان ، والسياق هو الذي يحدد ذلك ، وليس هذا اللفظ مجازا ، وإنما أسلوب من أساليب العربية المعروفة (65) .

... وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ} (66) ليس المراد به أن للذل جناحا ، بل المراد بالآية الكريمة ـ كما يدل عليه كلام جمع من المفسرين ـ أنها من إضافة الموصوف إلى صفته ، فيكون المعنى"واخفض لهما جناحك الذليل لهما من الرحمة"، وقد ورد ما يدل على ذلك في كلام العرب كقولهم"حاتم الجود"أي الموصوف بالجود .

... ووصف الجناح بالذل ، مع أنه صفة الإنسان ، لأن البطش يظهر برفع الجناح ، والتواضع واللين يظهر بخفضه فخفضه كناية عن لين الجانب ، وإضافة صفة الإنسان لبعض أجزائه أسلوب من أساليب العربية كما في هذا المثال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت