فيا أَصحابَ العقولِ والدِّراياتِ؛ طهِّروا نُفُوسَكُم من الخَصَائِلِ الخبيثاتِ، وَنَقَّوا أبدانكُم من السَّيِّئاتِ، وَحَاسبُوا أنفُسكُم في العَشايا والغدوات فمَن حَاسَبَ نفسَه قَبلَ أن تُحاسَبَ نجا مِن شِدَّةِ الحِسَابِ يَومَ الحَسَرات، وما أدراكُم مَا يَومُ الحَسَراتِ، يومٌ تَسْكُبُ فيهِ العَبراتِ، وَتَتَزلزلُ أقدامُ مَن في الأرضِ، ومَنْ في السَّماوات، ويدنُوا الشَّمسُ من الرُّؤوسِ، ويُحيطُ بِهِم العَرَقُ مِن الأقدَامِ إلى الرُؤُوس، فيه مِن مُستغرقٍ فيهِ مِن القدمِ إلى الخَاصِرَةِ، ومِن مُستغرقٍ فيه من القدمِ إلى التَّرْقُوةِ (1) ، ومِن مُستغرقٍ فيهِ بِجميعِ الأعضاءِ فَتَختلُ حَوَاسُّهُ المُدرِكات، يومٌ يشتدُ على الكُفَّارِ إلى أن يقُولوا: رَبِّ أرِحنا ولو إلى النَّار، وتَتَحيَّرُ فيهِ قُلوبُ الأبرار، لا تسمعُ فيه من نَبيٍّ ولا مِن رَسوُلٍ إلا: نفسي نَفسي، إلاَّ نَبِيَّنا صَاحِبَ الآياتِ والمعُجِزَاتِ، فإنَّه يَقُولُ أُمَّتي أمَّتي، وَيستشفعُ للمُجرمينَ والعصاةِ، فَطُوبَى لِمَنْ اتَّبعَ مِلَّتَهُ واتَّبَعَ سُنَّتَهُ، وَلزِمَ طرِيقَتَهُ، وَمَاتَ على الفِطْرَةِ، ودَخَلَ في شَفَاعَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ، وحَصَلتْ له النَّجَاةُ من الموُبِقَات.
واعلموا أنَّ الدُّنيا خُلقت لكُم وأنَّكُم خُلقتُم للآخرةِ، فَطوبى لمن تزودَ من دُنياهُ لأخرتِهِ ومِنْ حَيَاتهِ للمات: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ} (2) المُقَنْطَرَاتِ، فمن اغترَ بزينةِ الحياةِ الدُّنيا واتبعَ الهوى ونَسِي ما أَمَرَهُ به رَبُّهُ ونَهْىَ، وَقَعَ في حُفُرةِ الضَّالالاتِ.
(1) التَّرْقُوَةُ: العظم الذي بين ثُغْرة النحر والعاتق، ولا تضم التاء. (( مختار الصحاح ) ) (ص77) .
(2) من سورة آل عمران، الآية (14) .