بات خالد يعد الدقائق والساعات شوقًا لتلك البلاد التي سمع عنها الكثير ولما يرها ، وما إن وطئتها قدماه حتى نسي وصية أمه المشفقة ، ونسي نفسه ، بل نسي ربه الذي يراقبه في كل مكان ، وانهمك في فعل المعاصي والآثام ، حتى كاد أن ينسى دراسته التي سافر من أجلها ...
وبعد سنوات أمضاها في ديار الغرب ما بين لهو ولعب ومجون ، وقليل من الدراسة ، عاد .. ولكن بعقل ممسوخ وقلب مظلم قد عصفت فيه رياح الأهواء والشهوات ، وفتكت به أمراض الشكوك والشبهات ، ولقد كان قلبه خاليًا قبل ذلك ، فتمكن منه الداء:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
كانت أمه طوال تلك السنين كالثكلى تنتظر قدومه بفارغ الصبر ، وتعدّ الدقائق والساعات شوقًا إلى لقائه ، وتذرف الدموع في كل وقت خوفًا عليه ، أما هو فلم تخطر له أمه على بال ، ولا فكر بالسؤال عنها مجر سؤال ... إلا في فترات متباعدة .
وأزف موعد قدومه فخرجت أمه إلى المطار بصحبة أخته لاستقباله ، وقلبها يكاد يطير من شدة الفرح ...
وفي صالة الانتظار ، وقفت تترقب قدومه ، وتفحص وجوه القادمين بحثًا عن ولدها الحبيب ..
ها هو خالدٌ قد أقبل ..
"أهذا هو خالدٌ ؟!"همست الأم في أذن ابنتها والدهشة تكاد تعقد لسانها.
كان يلبس نظارة سوداء وقد نفش شعره وأعفى لحيته على الطريقة الغربية ... فلما اقترب منها عرفته بملامحه التي لا تخفى ...
نادته خالد ... خالد ...
التفت إليها ... مدت الأم يدها إليه لتصافحه ، قالت أنا أمك يا خالد ، وهذه أختك . كانت تنتظر منه أن يضمّها ، أن يقبل رأسها ، أن يبكي فرحًا بلقائها ، لكنه لم يفعل شيئًا من ذلك ، بل مد يده ببرود شديد ، وقال متهكمًا: أما زلتين تغطين وجوهكن وتلبسن هذه الملابس السوداء ؟!