6 - (الأمر بالأكل من الطيبات وشكر الله عليها وبيان المحرمات)
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} سورة البقرة آية 168 - 169.
لما أمر الله الناس عمومًا بالأكل من الطيبات أمر المؤمنين خاصة بعد الأمر العام؛ لأن المؤمنين هم المنتفعون بالأوامر والنواهي بسبب إيمانهم فأمرهم بالأكل من الطيبات من الرزق الحلال والشكر لله على إنعامه باستعمالها بطاعته والتقوى بها على ما يوصل إليه، فأمر المؤمنين بما أمر به المرسلين في قوله: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [1] . فالشكر في هذه الآية هو العمل الصالح (إن كنتم إياه تعبدون) أي إن كنتم تعبدون الله حقيقة فاشكروه على نعمه باستعمالها في مرضاته والأمر بالشكر عقيب النعم لأن الشكر يحفظ النعم الموجودة، ويجلب النعم المفقودة كما قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} سورة إبراهيم آية 7.
ولما ذكر تعالى إباحة الطيبات ذكر تحريم الخبائث فقال (إنما حرم عليكم الميتة) وهي ما مات بغير تذكية شرعية؛ لأن الميتة خبيثة مضرة لرداءتها في نفسها ولأن الغالب أن تكون ماتت من مرض فيكون زيادة مرض، وقد استثنى بالسنة من هذا العموم ميتة الجراد والسمك البحري فإنه حلال طيب، وحرم (الدم) المسفوح كما قيد به في الآية الأخرى (ولحم الخنزير) أي جميع أجزائه (وما أهل لغير الله به) أي ذبح لغير الله كالذي يذبح للأصنام والأوثان من الأحجار والأشجار والأولياء والقبور ونحوها، وهذا المذكور في هذه الآية غير عام للمحرمات وجيء به لبيان أجناس الخبائث، وعموم المحرمات يستفاد من مفهوم الآية السابقة من قوله (حلالا طيبًا) وإنما حرم الله علينا هذه الخبائث ونحوها لطفًا بنا وتنزيهًا عن المضر بنا، ومع هذا (فمن اضطر) أي ألجأته الضرورة إلى المحرم بجوع أو عدم أو إكراه (غير باغ) أي غير طالب للمحرم مع قدرته على الحلال أو مع عدم جوعه (ولا عاد) أي متجاوز الحد في تناول ما أبيح له اضطرارًا فمن اضطر وهو غير قادر على الحلال وأكل بقدر الضرورة فلا يزيد عليها (فلا إثم عليه) وإذا ارتفع الإثم رجع الأمر إلى ما كان عليه وهذه الإباحة والتوسعة من رحمته تعالى بعباده فلهذا ختمها بهذين الاسمين#
(1) سورة المؤمنون آية 51.