الصفحة 12 من 75

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: (أي سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي ويتكبرون على الناس بغير الحق) وسترى في الأقسام القادمة من هذا الكتاب كيف أن المجرمين الكفرة الذين لا رحمة في قلوبهم ولا شفقة بعباد الله، قد أذلوا الإنسانية ودمروا الأبرياء واعتدوا على الضعفاء وسفكوا دماء البسطاء وما ذلك إلا بسبب استكبارهم عن الحق الرباني والتكذيب به واستكبارهم في أنفسهم وانحيازهم وتفضيلهم للضلال على الهدى والهوى على صراط الله المبين.

ثم يبين لنا مولانا سبحانه وتعالى أن الكافرين إن فضلوا سُبل الغواية والضلال، فإنهم لا يكتفون بذلك وإنما ينفقون الأموال لصرف الناس عن الهداية إلى سبيل الله ليبقوا البشرية في التيه والضياع والتشرد والعذاب النفسي والدمار الاجتماعي. نعم يبقوهم هكذا لأن الكافرين وخصوصا أرباب الطغيان والفساد فيهم يعلمون علم اليقين أنه إن عادت البشرية إلى بارئها ومولاها فلن تكون كالبهائم الضالة والأنعام السائبة يقودهم المفسدون كما يشاءون ويشتهون.

(إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون) الأنفال/26

وهذه الآية الكريمة في كتاب الله تسوق بشرى للموحدين وخزي للكافرين، أنّ الله مهلك كيدهم ومشتت جهودهم بأن يجعلهم ينفقون الأموال في الصد عن سبيل الله ثم بعد هذا الإنفاق وبعد هذه الجهود الكبيرة والخطط العظيمة يجعل الله إنفاقهم للأموال، ليصدوا بها عن سبيل الله، حسرة عليهم بأن يغلبوا في الدنيا ويوم الآخرة يكونوا من أصحاب الجحيم والعذاب المقيم. أعاذنا الله وأعاذ كل مسلم من هذه النهاية.

(مثل الذين كفروا أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد) إبراهيم/18

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت