للذهن يستنبط به بذاته الحد الأوسط. والذكاء قوة الحدس، وتارة يحصل بالتعليم، ومبادئ التعليم الحدس. فان الأشياء تنتهي لا محالة الى حدوس استنبطها أرباب تلك الحدوس. ثم أدوها الى المتعلمين. فيمكن أن يكون شخص من الناس مؤيد النفس بشدة الصفاء، وشدة الاتصال بالمبادئ العقلية الى أن يشتعل حدسا، أعني قبولا لإلهام العقل الفعال في كل شيء، فترتسم فيه الصور التي في العقل الفعال من كل شيء، إما دفعة، وإما قريبا من دفعة» «1» . ويقول أيضا في كتاب الإشارات: «و أما الحدس فهو أن يتمثل الحد الأوسط في الذهن دفعة، إما عقيب طلب وشوق من غير حركة، وإما من غير اشتياق وحركة» «2» . فهذه النصوص كلها تبين لنا أن معنى الحدس عند القدماء هو إصابة الحد الأوسط إذا وضع المطلوب، أو إصابة الحد الأكبر إذا أصيب الأوسط، وبالجملة سرعة الانتقال من معلوم الى مجهول. وهذا المعنى كما ترى يختلف بعض الشيء عن المعنى الذي تدل عليه كلمة حدس ( noitiutnI) عند الفلاسفة المحدثين، ولكننا نلاحظ أن للحدس عند كل من هؤلاء الفلاسفة معنى خاصا. فهناك حدس عقلي كحدس البداهة، وهناك حدس حسي، وحدس نفسي، وحدس فلسفي كالذي تكلم عليه «برغسون» . فاذا كان معنى الحدس مختلفا باختلاف الفلاسفة، فان اختلاف معناه في الفلسفة الحديثة عن معناه في الفلسفة العربية القديمة لا يمنع من إطلاق اللفظ نفسه على المعنيين. ولا حاجة الى البحث عن لفظ آخر كلفظ البداهة الذي اختاره بعضهم للدلالة على هذا المعنى، لأن البداهة إنما تقابل كلمة ( ecnedive) ، لا كلمة حدس. فيكفي إذن في هذه الحالة الاعتماد على اللفظ القديم، مع تبديل معناه، وتحديده تحديدا جديدا.