وهو أن كل ما لم يكن مسبوقا بمادة وزمان لم يكن مسبوقا بعدم.
فالابداع هو إذن أن يكون من الشيء وجود لغيره من دون أن يكون مسبوقا بمادة ولا زمان. كالعقل الأول في فلسفة (ابن سينا) فهو يصدر عن واجب الوجود من دون أن يكون صدوره عنه متعلقا بمادة وزمان.
والإبداع بهذا المعنى أعلى رتبة من التكوين والإحداث، فإنّ التكوين هو أن يكون من الشيء وجود مادي، والإحداث أن يكون من الشيء وجود زماني. وكل واحد منهما يقابل الإبداع. فالتكوين يقابله لكونه مسبوقا بالمادة، والإحداث يقابله ايضا لكونه مسبوقا بالزمان.
والإبداع أقدم منهما، لأن المادة لا يمكن أن تحصل بالتكوين، والزمان لا يمكن أن يحصل بالإحداث. إذن التكوين والإحداث مترتبان على الإبداع، وهو أقرب منهما الى اللّه.
والرابع: الإبداع الدائم ( noitaerC eeunitnoC) وهو عند الفلاسفة الأصوليين والديكارتيين الفعل الذي يبقي به اللّه العالم. وهو عين الفعل الذي يخرجه به من العدم الى الوجود.
فالله اذن مبدع ومبق، لأنه إذا قبض جوده بطلت الموجودات كلها دفعة واحدة، وهذا أيضا يقابل التأليف، لأن التأليف باق، وان أمسك المؤلف تأليفه، أما الابداع فهو ايجاد وابقاء.
والفلاسفة الذين يقولون بوحدة الوجود لا يحتاجون الى القول بابداع العالم، ولكن الذين يجعلون اللّه متميزا عن العالم يقولون: ان علاقة احدهما بالآخر لا تعدو ثلاثة احوال.
فإما ان يقال: ان العالم قديم، وان اللّه عالم بالكل وبالواجب ان يكون عليه الكل حتى يكون على أحسن نظام. وهذا مذهب القائلين بالعناية الالهية كابن سينا وغيره.
وإما ان يقال: ان لقدرة اللّه تأثيرا في مبدأ العالم، من حيث انها تنظم المادة الموجودة سابقا، وترتبها كما يرتب الصانع صنعه.
وإما ان يقال: ان لها تأثيرا في اخراج العالم، من العدم الى الوجود، وهذا مذهب القائلين بالإبداع. أعني القول: إن اللّه ليس مؤلف نظام الأشياء، ومرتب صورها فحسب، وانما هو مبدع مادتها أيضا. ومعنى ذلك ان كل ما لم يكن موجودا، فقد صار بفعل قدرته تعالى موجودا.