فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 1301

اذا كان استعمال الالفاظ في غير مواضعها باعثا على العقم الفكري.

وربما كانت اللغة العربية الحديثة أحوج اللغات الثقافية الى تحديد مصطلحاتها العلمية والفلسفية، لأنها مشتملة على الكثير من الالفاظ المترادفة والالفاظ المشتركة الموضوعة لعدة معان. وقد قلت ان الالتباس في معاني الالفاظ يحول دون الفهم والافهام، ويحمل المتعلمين على استعمالها كالببغاوات دون ادراك معانيها. لا شكّ في ان فصاحة الالفاظ تأخذ بمجامع قلوبنا، ولكنها إذا كانت غير مطابقة للمعاني بعثتنا على الابتسام. واذا كانت الالفاظ حقائق موضوعية ذات وجود اجتماعي مستقل عن ارادتنا، فإنّ استعمالها في غير مواضعها لا يبعث على الغموض، والالتباس، والاشتباه فحسب، بل يلقي على الأشياء حجابا يحول دون معرفتها. نعم ان غموض العبارة قد يحرك فكر القارئ، أو يوحي اليه بمعان وصور لم تخطر ببال الكاتب، ولكن هذا الغموض لا يدل على عمق التفكير دائما. واذا جاز لبعض الكتاب والشعراء ان يتكلّفوا الغموض في اساليبهم، فإنه لا يجوز للعلماء والفلاسفة ان يتكلّفوه، لأن الغاية التي يهدفون اليها هي التعبير عن المعاني المتصورة في اذهانهم باأفاظ واضحة ودقيقة. ومن كان واضح الأفكار كان اقدر على التعبير عما يريد بألفاظ بسيطة، وان كان اسلوبه غير مرصّع بجواهر البلاغة.

ولما كانت معاني الالفاظ مختلفة باختلاف اللغات كان من الصعب على واضعي المعاجم الفلسفية في اللغة العربية ان يترجموا اللفظ الاجنبي الواحد بلفظ عربي واحد. ذلك لأن لكل لغة اساليبها في وضع الالفاظ والتأليف بينها. واذا كانت معاني الالفاظ تتغير بتغير الزمان، فإن تغيرها في احدى اللغات لا يجيء بالضرورة مطابقا لتغيرها في الأخرى. وسبب ذلك ان العوامل المؤثرة في تطور معاني الالفاظ مختلفة باختلاف البيئات الاجتماعية، والثقافية، وكثيرا ما يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت