قلوب العجم، فانهزموا حتى دخلوا مدينة تستر، وأغلقوا الابواب. فحاصرهم ابو موسى الاشعرى شهورا كثيرة. وقد كان الهرمزان خندق عليها بخندق عميق، واجرى فيه الماء وبنى في وسطها حصنا منيعا، وحمل اليه من الحيرة ما يكفيه ومن كان معه ثلاث سنين. وكان في ذلك الخندق مخاضة من ناحية واحدة. وكان بتلك المدينة رجل يسمى شنبك، وكان داره الى خارج السور جحر يدخل فيه الرجل قد أعدّه مسيلا للماء من ماء المطر. فخرج ذلك الرجل ليلا من ذلك النقب، حتّى أفضى الى الخندق، فخاضه في المكان الذى يخاض فيه، وكان به عارفا، حتى توسّط عسكر العرب وقد نام الناس فأتى مضرب ابى موسى، وصار الى الحاجب، فسأله إدخاله عليه. فقال انّى رجل من اشراف هذه المدينة، فما الذى تجعل لى ان هديتّك بعون اللّه لفتح هذه المدينة؟ قال له ابو موسى: حكمك قال: حكمى ان تحفظنى في نفسى واهل بيتى وضياعى ومالى قال: ذلك لك، فأخبرنى كيف يمكنك ذلك؟ قال: دارى مع السور في ما يلى المخاضة التى في هذا الخندق، ومن دارى الى الخندق ثقب يخرج منه ماء المطر، ومنه خرجت اليك. فوّجه معى رجل له قلب وشجاعة وجرأة، حتى يدخل معى ذلك الثقب. ثم أديره في شوارع المدينة وطرقها، وأريه اماكن الاحراس، وأمر به على الهرمزان ملكنا في المدينة، حتّى يراه. فاذا رأى ذلك كله؛ رددته الى دارى، وأخرجته من ذلك الثقب، حتى آتيك به بعد ساعة. فأمر ابو موسى، فدعى اليه نفرا من العرب فأقبلوا، ودخلوا عليه، وفيهم الاشرس وعوف الشيبانى، وكانا من ابطال العرب. فقال لهم ابو موسى: ايكم يخاطر بنفسه، وينطلق مع هذا الرجل حتى يدخل المدينة، فيعلم علمها. ثم ينصرف إلينا بالاخبار؟ فقال الاشرس: انا لها. فقال أبو موسى: فانطلق في حفظ الله وكلامته «1» . فمضى مع شنبك، وعليه خفّ فيه سكين. حتّى خاض الخندق. وكان عارفا بالمخاضة، فأدخله الى داره، والقى على عنقه إزارا وسخا، وقال: اتبعنى، فمن رآك يظن أنكّ «2» من أصحابى.
ثم خرج به من باب داره، فجعل يدور به سكك المدينة ويريه موضع الحراس المرتبين.
ثم أقبل به الى الهرمزان، وهو في وزارته في تدبيره. فقال له الاشرس: في خفّى سكّين جيّد، أفتأذن لى ان احمل عليه، فأقتله؟ قال له: شنبك: اذا نقتل وتنغص «3» علينا التدبير. قال له: اجادّ انت؟ قال الاشراس: انّى والله لجادّ فيه. قال شنبك دعنى اجسّك. وأدخل «4» يده في قميصه، حتّى وضعها على فؤاده، فلم يجد لفؤاده خفقانا. وصار الى ابى موسى، وهو
(1) . الصحيح: وكلالته
(2) . ص: انه
(3) . النهاية: فينغص
(4) . النهاية: دعنى فادخل