فكان جم اوّل من اسس «1» منازل الملك، وشيّد معالم السلطان، واوّل من استخرج الذهب والفضّه من المعادن، واوّل من اتخّذ من الحديد آلات الحرب والحرث، واوّل من اقتنى الخيل وسائر الدّوابّ وكانت من قبل ذلك وحشيّه كلّها؛ فركبها، حتى الفت الناس.
وانّه جمع ولد ابيه، فحارب بهم الجّن لتّمردهم عليه وايذائهم ايّاه، فمكث في محاربتهم خمسين سنة؛ حتى قهرهم باذن الله، جلّت عظمته، وخضعوا له بامر الله جلّ جلاله؛ فوكّلهم بقلع الحجارة المرتفعه من الارض وغوص البحار، واستخراج الّدر وجلب المسك والعنبر وسائر الطيب من مظانّه، وبنيان القصور المعجبة، وجري الانهار، واتّخاذ المصانع؛ فنفذوا «2» امره باذن الله تعالى وقوته. قال ايوب بن القريّه «3» : ويزعم بعض جهّال العجم ومن لا علم له بالنسب: انّ جم هو سليمان بن داود تخرّصا وكذبا؛ وكان بين سليمان وجم زمان ودهور. وانّما قالوا: لما سلّط الله على الجّن جّم، صاحت «4» حّتى قهرهم باذن الله في ملكه. ولم يسلّط الله على الريح والطير والوحش والسبّاع، كما سلّط عليهم سليمان بن داود؛ فمن اجل ذلك غلطوا في ذلك.
وفى اوّل ملك جم، تبلبلت الالسن ببابل؛ وذلك انّ ولد نوح كثروا، حتّى امتلأ منهم سهلها وجبلها وبرّها وبحرها، فاحتشدت بهم «5» تلك الارضين، وشحنت «6» بكثرتهم. وكان كلامهم السريانية، وهى لغة نوح. فاصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت السنتهم، وتغيّرت الفاظهم، وماج بعضهم في بعض، وتكلّمت كلّ فرقة منهم باللسان الذى عليه اعقابهم الى الآن، فلم تفهم كل فرقة منهم الفرقة الاخرى.
فخرج قوم عظيم منهم من ارض بابل، يهميون على وجوههم. فكان اوّل من خرج منهم: ولد يافث بن نوح، وولد الخزر بن يافت، ولد الاسار بن «7» يافث؛ فسلكوا يسرة عن مطلع الشمس؛ يسوقهم ريح الصّبا، حتى انتهوا الى تلك الارض، التى اعقابهم فيها الى الان، فسميت بلدانهم: المشرق.
ثم سار في اليوم الثانى ولد حام بن نوح؛ فكانوا أيضًا ثمان قبائل: ولد القبط ابن حام، وولد حبش بن حام، وولد نوبة بن حام، وولد كنعان بن حام اهل افريقية والاندلس، وولد الكرك بن حام، وولد قوط بن حام «8» ، وولد الزنج بن حام والفرار والرعادة وبربر بني كوش
(1) . النهاية: باشر
(2) . النهاية: فاستعدوا
(3) . ويروى ان ابن المقفع كان يقول يزعم جهال العجم ومن لا علم له ان جم ...
(4) . ص والتاريخ: خاصة (دينورى 9) (كذلك الثعالبي 10)
(5) . النهاية والتاريخ: فاحتشت
(6) . ينظر: معجم البلدان: م ه. عمود 2 سطر 28
(7) . تاريخ الأصمعي: الاساد، النهاية: الاثار
(8) . ينظر: الكامل في التاريخ: م 1 ص 78