وجعل الله ولدك عبيدا لولد سام. «1»
قال فمكث حام زمانا لا يقرب اهله خوفا من دعوة ابيه؛ فلمّا عيل صبره؛ اتاها، فعلقت؛ فولدت ولدين في بطن، ذكرا وانتى، اسودين كالقار؛ فشكا ذلك الى اخويه سام ويافث؛ فقالا له: اصابتك دعوة ابيك، وما يولد له بعد ذلك الّا السودان؛ فالسّند والهند والزنج والحبش والقبط والنّوب جميعا من ولد حام بن نوح.
وذكر: انه ولد حام ذكرا وانثى اسودين، فغصب، وقال أمنّى هذان الولدان؟ ولا ارى لهما شبها في الناس؟ فبلغني- والله اعلم- انّ النطقة اذا وقعت في الرّحم، اتاها ملك الارحام، فيستخرجها، فيضعها في كفّه؛ فيقول: يا رب مخلّقة ام غير مخلّقة؟ فان قال: غير مخلّقة، قذفت الارحام دما. وان قال: مخلّقة، قال: يا رب اشقيّ ام سعيد؟ ذكر ام انثى، طفل ام سقط؟ فطيم ام شابّ ام كهل ام يردّ الى ارذل العمر؟ ام يموت في برّ او بحر او تاكله السباع او بالسيف. فلا يدع شيئا من اصناف المهالك الا ذكرها. فقال له انطلق الى اللوح المحفوظ، فانّك ستجد هذه النّطفة؛ فينطلق، فاوّل ما يبدو له من اللوح المحفوظ قصة تلك النطفة، فيكتبها كما يجدها؛ فيطأ اثرها، ويأكل رزقها، ويعيش في اجلها، ويموت في الارض التي كتبت له، ويأخذ من تراب تلك البقعة التى يدفن فيها تلك النطفة، فيدفنها مع تلك النطفة، ثم يدخلها الرّحم. فذلك قوله: «منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى» .
فلما تمّ لنوح الف عام، حضرته الوفاة، فاستخلف على ولد ابيه ساما ابنه، ثم قبض.
وكان بعث وله مائة وخمسون سنة، وعاش بعد الطوفان تسعمائة وخمسين سنة. ويقال انه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، فذلك الف وأربعيمائة سنة. بل، الصحيح انه عاش الف عام. وولد سام وحام ويافث بعد ان مضى من عمره خمسمائة سنة. والله اعلم واحكم بالصواب.
تم الجزء الملحق بسير الملوك، وهذا مبتدا كتاب السير واخبار الملوك الذى لم يزل مخزونا عند الخلفاء.
قال عامر الشّعبيّ: سبحان الملك الدائم، «2» الذي لا يفنى ولا انقضاء له، والسلطان الباقي لا زوال له، الله تبارك وتعالى، الواحد الاحد الصمد، الذي قهر الملوك بدوام ملكه، واذلّ الجبابرة بعظيم سلطانه. وانّما وضع الله تبارك وتعالى الملك في اهل الارض، وجعله زائلا متنقلا، ليدلّ على ملكه الذى لا يزول سلطانه الذي لا يتنقل.
(1) . ينظر: قصص الانبياء: ص 81 - 82
(2) . تاريخ الأصمعى: الحمد لله الملك القديم الدايم