فكانوا يمّرون به، وهو يعمل السفينة مع اصحابه، فيقولون له: ما الذي تعمل يا مجنون؟ فيقول: جنّة «1» من الماء؛ فيسخرون منه؛ فيقول: سوف نسخر منكم كما تسخرون، فسوف تعلمون.
فاتخذ السفينة كهيئة الطّاووس، وذنبها كذنبه، ورأسها كرأسه، وجناحها كجناحه؛ وجعلها اربع اطباق: الطّبق الاعلى للناس، «2» والذى تحته للطّير والهواّم، والطبق الثالث للبهائم والوحوش، والطبق الاسفل للسباع، وقيّر داخلها وخارجها، وشدّها بالمسامير العظام.
واوحى الله اليه: انّ العلامة في نزول العذاب: اذا فار التّنّور.
فلّما اذن الله «تبارك وتعالى» في هلاكهم، اتت ابنة نوح التنّور لتسجره للخبز؛ ويقال انها كانت كنيتها؛ واسمها: «رحما» ، وكانت تخبز وتصنع طعاما للذين عملوا السفينة، وكانوا سبعة نفر، وكان مبدأ السفينة «3» - والله اعلم- من «4» الشام من جبل لبنان. وظهر الماء يوم السبّت. فلما اوقدته وحمى، ظهر لها الماء من اسفله؛ فبادرت الى ابيها، واخبرته بذلك؛ فنادى في اصحابه الذين آمنوا معه، فدخلوا السفينة وادخلوا اهاليهم واولادهم. فاقبل جبريل يحشر الى نوح الطّير والسباع والدواب والوحوش والهواّم؛ فجعل يزاول من كل زوجين اثنين، فيدخلهما السفينة اوّلا فاوّلا. واقبلت العنز والتيس، فوقفا على باب السفينة؛ فزجرهما نوح، فلم يدخلا؛ فدفعهما برجله ممايلي مؤخرهما؛ فأخرج ذنبيهما، ونقص اليتيهما.
واقبل ابليس فتعلق بذنب الحمار، فامتنع من الدخول؛ فزجره نوح؛ وقال للحمار:
ادخل يا لعين! فدخل الحمار، وابليس اللعين معه؛ فنظر نوح الى ابليس في السفينة؛ فقال من ادخلك يا لعين! قال: انت امرتنى بالدخول، وليس لك عليّ سبيل، لاني من المنظرين.
وارتفعت الشياطين، فصارت بين السّماء والارض.
وامتنع رام «5» بن نوح من الدّخول الى السفينة؛ وقال: (سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ «6» ) فقال له ابوه: (لا عاصم اليوم من امر الله الا من رحم)
وفاض الماء حتى طفت «7» السفينة فوقه، فغرق الكفّار من قوم نوح؛ فبعدا للقوم
(1) . تاريخ الأصمعي: نجاة
(2) . المتدول اليوم ان يقال: الطّابق الاعلى، او الطبقة العليا.
(3) . تاريخ الأصمعى: مبتدا
(4) . تاريخ الأصمعى: الى
(5) . تاريخ الأصمعى: دام
(6) . سورة هود، الآية 43
(7) . تاريخ الأصمعى: وطافت