الوجه، في رأسه طول؛ عظيم العينين، غليظ الفصوص، «1» دقيق السّاقين، كثير لحم الفخذين، دقيق الساعدين، ضخم السّرّة، طويل اللحية عريضها، طويلا جسيما؛ وكان في غضبه وانتهاره شدّة. فبعثه الله الى قومه يوم بعثه، وهو ابن خمسين سنة؛ فلبث فيهم الف سنة الّا خمسين عاما.
قال: ثم ان الناس بعد ادريس انهمكوا في عبادة الاصنام، واضاعوا دين ابيهم آدم، ونبذوه وراء ظهورهم، وفشى الجور والمنكر فيهم؛ فامتلأت الارض منهم، سهلها وجبلها وبّرها وبحرها وكان لهم ملوك شتّى؛ على كل ناحية من الارض. كلّ ملك منهم، ذوعتو وجبروت وتمرّد على الله. فكانوا يمكثون الدهر الطّويل لا يسمعون فيها باحد يموت.
وكان الرجل منهم ربّما عاش حتى ينشو «2» من عقبه الف رجل. فبعث الله «عزّ وجلّ» اليهم نوحا رسولا؛ وهو لامك بن متوشلخ «3» بن اخنوخ- وهو ادريس- ابن اليارد «4» بن مهلاييل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم.
وكان مسكن نوح: العراق؛ لانّ ارض العراق كانت لولد شيث خاصة، دون سائر ولد آدم. فمكث نوح يدعو جميع الناس في الآفاق الى الله «عز وجلّ» وتوحيده؛ تسع مائة وخمسين سنة؛ فكانوا لا يزدادون الّا عتوّا وتمرّدا، وتمادوا في عبادة الاصنام. وكان نوح يمهلهم قرنا بعد قرن، ويرجو ان يكون منهم قوم يؤمنون بالله. فكان الاخير منهم شرا من الاوّل. وكان الرّجل منهم يقبل وابنه على عاتقه، حتى يوقفه على نوح؛ فيقول لابنه: «احذر هذا الشيخ ان يصدّك عن دينك او يفتنك عن الهك «5» ». وكان ربّما اجتمع عليه منهم قيام من الناس يضربونه، حتى يظنّوا انّهم قد قتلوه.
فلما بلغ منهم الجهد، دعا الله «جلّ ثناؤه» عليهم؛ فاوحى الله «تبارك وتعالى» اليه، يأمره بغرس الاشجار؛ فمكث في غرسها عشر سنين؛ ثم ادركت القطع بعد اربعين سنة، فاخذ في قطعها، وعمل السفينة، ومعه اصحابه الذين آمنوا معه، فكانوا اربعين رجلا واربعين امرأه؛ فمكث في عملها خمسين سنة. فذلك الف سنة. وعقم الله ارحام ذلك العصر اربعين سنة؛ فلم يولد ولد، وشبّ الصبيان، فوجبت عليهم الحجّة بالرسالة.
(1) . الفص- بتثليث الفاء، (ج) فصوص وفصاص وافصّ- ملتقى كلّ عظمين؛ «لمنجد في اللغة: ص 584»
(2) . المتداول هذا اليوم؛ انّها تكتب هكذا: نشى؛ ينظر: المنجد في اللغة: ص 81
(3) . وهكذا في الكامل في التاريخ: م 1 ص 55، 62، 63 والّذى فى: «لمنجد في الاعلام: ص 633» : متوشالح: ابن اخنوخ جد نوح. يضرب به المثل بطول العمد؛ قيل: انّه عاش 969 سنة. (التّوارة) .
(4) . ينظر: الكامل في التاريخ: م 1 ص 54، 55، 59، 60
(5) . ينظر: قصص الأنبياء لنعمة الله الجزائري ص 80