فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 759

محبة ما يبغضه اللّه ورسوله، فقال له الملوم: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، وجميع ما في الكون مراده فأي شي ء أبغض منه؟! قال الشيخ: فقلت له: إذا كان قد سخط على أقوام ولعنهم وغضب عليهم وذمّهم فواليتهم أنت وأحببتهم وأحببت أفعالهم ورضيتها، تكون مواليا له أو معاديا؟

قال: فبهت الجبريّ ولم ينطق بكلمة.

وزعمت هذه الفرقة أنهم بذلك للسنة ناصرون وللقدر مثبتون ولأقوال أهل البدع مبطلون، هذا وقد طووا بساط التكليف، وطفّفوا في الميزان غاية التطفيف وحملوا ذنوبهم على الأقدار وبرّءوا أنفسهم في الحقيقة من فعل الذنوب والأوزار وقالوا: إنها في الحقيقة فعل الخلّاق العليم، وإذا سمع المنزّه لربه هذا قال: سبحانك هذا بهتان عظيم فالشرّ ليس إليك والخير كله في يديك. ولقد ظنت هذه الطائفة باللّه أسوأ الظنّ، ونسبته إلى أقبح الظلم وقالوا: إنّ أوامر الرب ونواهيه كتكليف العبد أن يرقى فوق السموات، وكتكليف الميت إحياء الأموات، واللّه يعذب عباده أشدّ العذاب على فعل ما لا يقدرون على تركه وعلى ترك ما لا يقدرون على فعله؛ بل يعاقبهم على نفس فعله الذي هو لهم غير مقدور وليس أحد ميسر له؛ بل هو عليه مقهور، ونرى العارف منهم ينشد مترنما ومن ربه متشكّيا ومتظلما:

ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له ... إيّاك إياك أن تبتلّ بالماء

وليس عند القوم في نفس الأمر سبب ولا غاية ولا حكمة ولا قوة في الأجسام ولا طبيعة ولا غريزة، فليس في الماء قوة التبريد، ولا في النار قوة التسخين، ولا في الأغذية قوة الغذاء، ولا في الأدوية قوة الدواء، ولا في العين قوة الإبصار، ولا في الأذن قوة السماع، ولا في الأنف قوة الشم، ولا في الحيوان قوة فاعلة ولا جاذبة ولا ممسكة ولا دافعة، والرب تعالى لم يفعل شيئا بشي ء ولا شيئا لشي ء، فليس في أفعاله باء تسبّب ولا لام تعليل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت