فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 759

بآخره، وذلك لأنه إذا كان قد سبق له من اللّه سابقة، وهيأه ويسره للوصول إليها، كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من اللّه أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها، فإنها سبقت له من اللّه قبل الوسيلة منه، وعلمها اللّه وشاءها وكتبها وقدّرها وهيّأ له أسبابها، لتوصله إليها، فالأمر كله من فضله وجوده السابق، فسبق له من اللّه سابقة السعادة ووسيلتها وغايتها. فالمؤمن أشد فرحا بذلك من كون أمره مجعولا إليه.

كما قال بعض السلف: واللّه ما أحب أن يجعل أمري إليّ، إنه إذا كان بيد اللّه خيرا من أن يكون بيدي، فالقدر السابق معين على الأعمال وما يحث عليها، ومقتض لها، لا أنه مناف لها وصادّ عنها، وهذا موضع مزلة قدم، من ثبتت قدمه فاز بالنعيم المقيم، ومن زلت قدمه عنه، هوى إلى قرار الجحيم.

فالنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم، أرشد الأمة في القدر إلى أمرين، هما سببا السعادة: الإيمان بالأقدار، فإنه نظام التوحيد، والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره، وذلك نظام الشرع، فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر، فأبى المنحرفون إلا القدح بإنكاره في أصل التوحيد، أو القدح بإثباته في أصل الشرع، ولم تتسع عقولهم التي لم يلق اللّه عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه، وهو القدر والشرع والخلق والأمر؛ وهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

والنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة، وقد تقدم قوله: احرص على ما ينفعك، واستعن باللّه ولا تعجز، وإنّ العاجز من لم يتسع للأمرين، وباللّه التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت