فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 181

فقال حيان: حين ينشغل العسكر بالحرب و تشتد المعركة. ففعلا كذلك، فلما حمى الوطيس قابل حيان النبطى طرخون و قال: لقد ذهب عنك الملك و أنت لا تدرى! قال: و كيف؟ فقال: نحن نستطيع أن نبقى هنا ما دام الجو حارّا، و الجو الآن بارد و قد آن لنا أن نرحل، و ما دمنا هنا فإن هؤلاء الأتراك يحاربوننا، فإذا ما ذهبنا من هنا يحاربونك لأن ولاية السغد مكان جميل و لا مثيل له في الدنيا جمالا، فكيف يتركون لك السغد ليرحلوا إلى التركستان؟ و تبقى في عناء و يأخذون ملكك. فقال طرخون: و ما حيلتى؟ قال: تعقد صلحا مع قتيبة و تعطيه شيئا و تظهر للترك بأنه قد وصل لنا جيش عظيم عن طريق كش و نخشب مددا من الحجاج، و تقول لهم إنى عائد ليعودوا هم أيضا؛ فإذا ما عقدت معنا الصلح و أخذت منا العهد لن نريد بك سوءا و لن نؤذيك و تخرج أنت من هذا العناء. فقال طرخون: لقد أحسنت نصحى، فلأفعل هكذا، سأعود الليلة. فلما أقبل الليل بعث طرخون بشخص إلى قتيبة و اصطلح و أرسل مالا قدره ألفا درهم و نفخوا في البوق و ذهبوا، فقال الدهاقين و الأمراء ماذا حدث؟ فقال: حذار تنبهوا- فقد بعث الحجاج بعسكر عظيم من ناحية كش و نخشب ليأتوا من خلفنا و يحيطوا بنا، و إنى عائد إلى ولايتى. فبعت كورمغانون التركى بشخص و سأل الخبر فأخبروه بهذه الحالة، فنفخ هو أيضا في البوق و عاد، و كانوا ينهبون الولاية و يمضون، فصرف اللّه تعالى هذا البلاء عن المسلمين. و قد بقى قتيبة في شدة أربعة شهور لم تصل فيها أخباره هو و أصحابه إلى الحجاج، و كان قلب الحجاج مشغولا من هذه الناحية و كانوا في المساجد يتلون القرآن و يقيمون الختمات «1» و يدعون الدعوات، و عاد قتيبة و أصحابه إلى بخارى.

و كانت هذه المرة الرابعة التى جاء فيها إلى بخارى و حارب و أخذ الأموال و نهب جانبا من الولايات و قتل بعضا و أسر بعضا و استرقهم. فكان يذهب إلى مرو و يعود إلى ولاية بخارى حماها اللّه تعالى من جميع الآفات و البليات.

(1) أى يقيمون المجالس التى يقرأ فيها القرآن من أوله لآخره، و يقال للمصحف بأكمله في قرانا المصرية «الختمة» و يقرأ الريفيون كذلك القرآن كله في بعض المناسبات و يقال في ذلك إنهم عملوا ختمة أى سهروا ليلة قرأوا فيها القرآن من أوله لآخره و وزعوا الصدقات. و في التركستان و أفغانستان و تركية و الهند و الحجاز يختم المسلمون القرآن في ليالى شهر رمضان و هم يصلون صلاة التراويح و ذلك في أيام معدودات و يسمى ذلك «ختم» أيضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت