أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال فرد اللّه عز وجل عينه فقال ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله ما غطى يده بكل شعرة سنة، فقال: أي رب، ثم ما ذا؟ قال: ثم الموت. قال فالآن، قال فسأل اللّه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم «فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق بجنب الكثيب الأحمر» «1» .
وأخبرنا أبو الحسين أنا إسماعيل نا أحمد نا عبد الرزاق أنا معمر أنا همام عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مثله. قال: وأخبرني من سمع الحسن يحدث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مثله، وأخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، فرواه البخاري عن محمود بن غيلان ويحيى بن موسى ورواه مسلم عن محمد بن رافع كلهم عن عبد الرزاق دون حديث الحسن. قال أبو سليمان الخطابي:
هذا حديث يطعن فيه الملحدون وأهل البدع، ويغمزون به في رواته ونقلته، ويقولون كيف يجوز أن يفعل نبي اللّه موسى هذا الصنيع بملك من ملائكة اللّه جاء بأمر من أمره فيستعصى عليه ولا يأتمر له؟ وكيف تصل يده إلى الملك، ويخلص إليه صكه ولطمه؟ وكيف ينهنه الملك المأمور بقبض روحه فلا يمضي أمر اللّه فيه؟ هذه أمور خارجة عن المعقول، سالكة طريق الاستحالة من كل وجه.
والجواب: أنه من اعتبر هذه الأمور بما جرى به عرف البشر، واستمرت عليه عادات طباعهم، فإنه يسرع إلى استنكارها والارتياب بها، لخروجها عن سوم طباع البشر، وعن سنن عاداتهم، إلا أنه أمر مصدره عن قدرة اللّه عز وجل، الذي لا يعجزه شيء، ولا يتعذر عليه أمر، وإنما هو محاولة بين ملك كريم وبين كليم، وكل واحد منهما مخصوص بصفة خرج بها عن حكم عوام البشر، ومجاري عاداتهم في المعنى الذي خص به من آثره اللّه باختصاصه إياه، فالمطالبة بالتسوية بينهما وبينهم فيما تنازعاه من هذا الشأن
(1) رواية الإمام مسلم في كتاب الفضائل 157 (2372) عن طريق محمد بن رافع، وعبد بن حميد بسنده عن أبي هريرة قال: وذكره. ورواه البخاري في كتاب الجنائز 68 وكتاب الأنبياء 31 والنسائي في كتاب الجنائز 121.