* عن نوفل بن إياس الهذلي قال: كان عبد الرحمن لنا جليسًا، وكان نعم الجليس، وأنه انقلب بنا يومًا حتى دخلنا بيته، ودخل فاغتسل، ثم خرج، وأتينا بصفحة فيها خبز ولحم، فلما وضعت بكى عبد الرحمن بن عوف، فقلنا له يا أبا محمد: ما يبكيك؟ قال: هلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، ولا أرانا أخرنا لها لما هو خير منها.
* عن المسور بن مخرمة قال: باع عبد الرحمن بن عوف أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك المال في بني زهرة، وفقراء المسلمين، وأمهات المؤمنين، وبعث إلى عائشة معي بمال من ذلك المال، فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لن يحنو عليكم بعدي إلا الصالحون سقا الله ابن عوف من سلسبيل الجنة» .
* عن أنس بن مالك قال: بينما عائشة في بيتها، إذ سمعت صوتا رجت منه المدينة، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف من الشام ـ وكانت سبعمائة راحلة ـ فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا» . فبلغ ذلك عبد الرحمن، فأتاها فسألها عما بلغه، فحدثته، قال: فإني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله عز وجل.
* عن الشافعي قال: خرج هرثمة فأقرأني سلام أمير المؤمنين هارون، وقال: قد أمر لك بخمسة آلاف دينار، قال: فحمل إليه المال، فدعا بحجام، فأخذ من شعره، فأعطاه خمسين دينارًا، ثم أخذ رقاعا وصر من تلك الدناينر صررا، ففرقها في القرشيين الذين هم بالحضرة ومن هم بمكة، حتى ما رجع إلى بيته إلا بأقل من مائة دينار.
* عن طلحة بن يحيى بن طلحة حدثتني جدتي سعدى بنت عوف المرية ـ وكانت محل إزار طلحة ـ، قالت: دخل علي طلحة ذات يوم وهو خائر النفس، وقال قتيبة: دخل علي طلحة ورأيته مغمومًا، فقلت: مالي أراك كالح الوجه رجاء ما شأنك، أرابك مني شيء فأعينك؟ قال: لا، ولنعم خليلة المرء المسلم أنت، قلت: فما شأنك؟ قال: المال الذي عندي قد كثر وأكربني، قلت: وما عليك؟ اقسمه، قالت: فقسمه حتى ما بقي منه درهم واحد، قال طلحة بن يحيى: فسألت خازن طلحة: كم كان المال؟ قال: أربعمائة ألف.
* عن الأعمش أو العلاء بن المسيب قال: انخرق دلو لخيثمة، فبعث به إلى الخراز، فسأله صاعا من تمر، فخرزه خيثمة بيده، وتصدق بالصاع.
* عن المعلى بن عرفان قال: سمعت أبا وائل وجاءه رجل، فقال: ابنك استعمل على السوق، فقال: والله لو جئتني بموته، كان أحب إلي، إن كنت لأكره أن يدخل بيتي من عمل عملهم.
* عن عبد الرحمن ابن أبي حباب السلمي قال: خطب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحث على جيش العسرة، فقال عثمان: علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، قال: ثم حث، فقال عثمان: علي مائة أخرى بأحلاسها، قال: ثم حث، فقال عثمان: علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها؛ فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول بيده يحركها: «ما على عثمان ما عمل بعد هذا» .
* عن زيد بن أرقم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتصدق، ووافق ذلك مال عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، قال: فجئت بنصف مالي، قال: فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: فقلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله؛ قلت لا أسابقك إلى شيء أبدًا.
* عن أبي ذر أنه قال: في المال ثلاثة شركاء، القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها من هلاك أو موت، والوارث ينتظر أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم، فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكونن، فان الله عز وجل يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] ، ألا وإن هذا الجمل مما كنت أحب من مالي، فأحببت أن أقدمه لنفسي.
* قال حاتم الأصم: إذ تصدقت بالدراهم فإنه ينبغي لك خمسة أشياء: أما واحد فلا ينبغي لك أن تعطى وتطلب الزيادة، ولا ينبغي لك أن تعطي من ملامة الناس، ولا ينبغي لك أن تمن على صاحبه، ولا ينبغي لك إذا كان عندك درهمان فتعطي واحدا تأمن هذا الذي بقي عندك، ولا ينبغي لك أن تعطى تبتغي الثناء؛ وقال: مثلهما مثل رجل يكون له دار فيها غنم له، وللدار خمسة أبواب، وخارج الدار ذئب يدور حولها، فإن أخذت أربعة أبواب وبقي واحد، دخل الذئب وقتل الغنم كلها، وهكذا إذا تصدقت وأردت من هذه الخمسة الأشياء شيئًا واحدًا، فقد أبطلت الصدقة.
* عن جعفر بن سليمان قال: سمعت حبيبًا يقول: أتانا سائل وقد عجنت عمرة، وذهبت تجيء بنار تخبزه، فقلت للسائل: خذ العجين، قال: فاحتمله، فجاءت عمرة، فقالت: أين العجين؟ فقلت: ذهبوا يخبزونه، فلما أكثرت علي أخبرتها، فقالت: سبحان الله، لا بد لنا من شيء نأكله، قال: فإذا رجل قد جاء بجفنة عظيمة مملوءة خبزًا ولحمًا، فقالت عمرة: ما أسرع ما ردوه عليك قد خبزه وجعلوا معه لحمًا.
* عن ميمون ـ بن مهران ـ: أن رجلًا من بني عبد الله ابن عمر - رضي الله عنه - استكساه إزارًا، وقال: قد تخرق إزاري، فقال له: أقطع إزارك ثم اكتسه، فكره الفتى ذلك، فقال له عبد الله بن عمر: ويحك، اتق الله، لا تكونن من القوم الذين يجعلون ما رزقهم الله تعالى في بطونهم وعلى ظهورهم.
* عن ميمون بن مهران: أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كاتب غلامًا له ونجمها عليه نجومًا، فلما حل أول النجم أتاه المكاتب به، فسأله: من أين أصبت هذا؟ قال: كنت أعمل واسأل، قال ابن عمر: أفجئتني بأوساخ الناس تريد أن تطعمنيها، أنت حر لوجه الله ولك ما جئت به.
* عن عيسى بن حازم قال: خرج إبراهيم بن أدهم وإبراهيم بن طهمان وسفيان الثوري إلى الطائف، ومعهم سفرة فيها طعام، فوضعوها ليأكلوا، وإذا أعراب قريب منهم، فناداهم إبراهيم بن طهمان: يا إخوتاه، هلموا، فقال لهم سفيان: يا إخوتاه مكانكم، ثم قال سفيان لإبراهيم: خذ من هذا الطعام ما طابت به أنفسنا فاذهب به إليهم، فان شبعوا فالله أشبعهم، وإن لم يشبعوا فهم أعلم، أخاف أن يجيئوا فيأكلوا طعامنا كله، فتتغير نياتنا ويذهب أجرنا.
* عن عكرمة: أن ملكًا قال لأهل مملكته: إني إن وجدت أحدًا يتصدق بصدقة قطعت يديه، فجاء سائل إلى امرأة، فقال: تصدقي علي بشيء، فقالت: كيف أتصدق عليك والملك يقطع يدي من تصدق، فقال: أسألك بوجه الله إلا تصدقت علي، قال، فتصدقت عليه برغيفين، فبلغ ذلك الملك، فأرسل إليها فقطع يديها، ثم إن الملك قال لأمه: دليني على امرأة جميلة أتزوجها، فقالت: إن ههنا امرأة ما رأيت مثلها لولا عيبا بها، قال: أي عيب هو؟ قالت: قطع اليدين، قال: فأرسلي إليها، فأرسلت إليها، فلما رآها أعجبته، وكان لها جمال، فقالت: إن الملك يريد أن يتزوجك، قالت: نعم إن شاء الله، قال: فتزوجها وأكرمها، قال: فنهد إلى الملك عدو فخرج إليهم، فكتب إلى أمه: انظري فلانة فاستوصي بها خيرًا، وافعلي وافعلي؛ فجاء الرسول فنزل على ضرائرها، فحسدنها، فأخذن الكتاب فغيرنه، وكتبن إلى أمه: أنظري إلى فلانة، فقد بلغني أن رجالًا يأتونها، فأخرجيها من البيت، وافعلي، فكتبت إليه الأم: إنك قد كذبت، وإنها لامرأة صدق، وبعثت الرسول إليه، فنزل بهن، فأخذن الكتاب وغيرنه، وكتبن إليه: إنها فاجرة وولدت غلامًا، فكتب إلى أمه: أن انظري إلى فلانة، فاربطي ولدها على رقبتها، واضربي على جنبها، وأخرجيها، فلما جاءها الكتاب: قرأته عليها، فقالت لها: أخرجي، فجعلت الصبي على رقبتها وذهبت، فمرت بنهر وهي عطشانة، فبركت للشرب والصبي على رقبتها، فوقع في الماء فغرق، فجعلت تبكي على شاطئ النهر، فمر بها رجلان، فقالا: ما يبكيك؟ فقالت: ابني كان على رقبتي وليس لي يدان، وإنه سقط في الماء فغرق، فقالا لها: أتحبين أن يرد الله يديك كما كانتا، قالت: نعم، فدعوا الله ربهما، فاستوت يداها، فقالا لها: تدرين من نحن؟ قالت: لا، قالا: نحن رغيفاك اللذان تصدقت بهما.
* دخل سفيان الثوري على مجمع التيمي، فإذا في إزار سفيان خرق، قال: فأخذ أربعة دراهم فناولها سفيان، فقال: اشتر إزارًا، قال سفيان: لا أحتاج إليها، قال مجمع: صدقت، أنت لا تحتاج، ولكني أحتاج، قال: فأخذها فاشترى بها إزارا، فكان سفيان يقول: كساني أخي مجمع، جزاه الله خيرًا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)