فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 392

* عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة: أن عمربن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله، أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، ولزوم طاعته؛ فإن بتقوى الله نجا أولياء الله من سخطه، وبها تحقق لهم ولايته، وبها رافقوا أنبياءهم، وبها نضرت وجوههم، وبها نظروا إلى خالقهم، وهي عصمة في الدنيا من الفتن، والمخرج من كرب يوم القيامة، ولم يقبل ممن بقي إلا بمثل ما رضي عمن مضى، ولمن بقي عبرة فيما مضى، وسنة الله فيهم واحدة، فبادر بنفسك قبل أن تؤخذ بكظمك، ويخلص إليك كما خلص إلى من كان قبلك؛ فقد رأيت الناس كيف يموتون، وكيف يتفرقون، ورأيت الموت، كيف يعجل التائب توبته؟ وذا الأمل أمله؟ وذا السلطان سلطانه؟ وكفى بالموت موعظة بالغة، وشاغلًا عن الدنيا، ومرغبًا في الآخرة؛ فنعوذ بالله من شر الموت وما بعده، ونسأل الله خيره وخير ما بعده؛ ولا تطلبن شيئًا من عرض الدنيا، بقول، ولا فعل، تخاف أن يضر بآخرتك، فيزرى بدينك، ويمقتك عليه ربك؛ واعلم أن القدر سيجري إليك برزقك، ويوفيك أملك من دنياك بغير مزيد فيه بحول منك، ولا قوة، ولا منقوصًا منه بضعف؛ إن أبلاك الله بفقر، فتعفف في فقرك، واخبت لقضاء ربك، واعتبر بما قسم الله لك؛ من الإسلام ما ذوى منك من نعمة الدنيا، فإن في الاسلام خلفًا من الذهب والفضة، ومن الدنيا الفانية؛ إعلم أنه لن يضر عبدًا صار إلى رضوان الله وإلى الجنة، ما أصابه في الدنيا من فقر، أو بلاء؛ وأنه لن ينفع عبدًا صار إلى سخط الله وإلى النار، ما أصاب في الدنيا من نعمة أو رخاء؛ ما يجد أهل الجنة مس مكروه أصابهم في دنياهم، وما يجد أهل النار طعم لذة نعموا بها في دنياهم، كل شيء من ذلك كأن لم يكن؛ تشيعون غاديًا أو رائحًا إلى الله قد قضى نحبه، وانقضى أجله، وتغيبونه في صدع من الأرض، ثم لا متوسد ولا متمهد، فارق الأحبة، وخلع الأسلاب، وسكن التراب، وواجه الحساب، مرتهنا بعمله، فقيرًا إلى ما قدم، غنيًا عما ترك؛ فاتقوا الله قبل نزول الموت، وانقضاء موافاته؛ وأيم الله، إني لأقول لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم عندي؛ وأستغفر الله، وأتوب إليه.

* عن رجل من قريش: أن عمر بن عبد العزيز عهد إلى بعض عماله: عليك بتقوى الله في كل حال ينزل بك؛ فإن تقوى الله أفضل العدة، وأبلغ المكيدة، وأقوى القوة؛ ولا تكن في شيء من عداوة عدوك أشد احتراسًا لنفسك، وما معك من معاصي الله؛ فإن الذنوب أخوف عندي على الناس من مكيدة عدوهم، وإنما نعادي عدونا ونستنصر عليهم بمعصيتهم، ولولا ذلك، لم تكن لنا قوة بهم؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا قوتنا كقوتهم، فإن لا ننصر عليهم بمقتنا، لا نغلبهم بقوتنا؛ ولا تكونن لعداوة أحد من الناس أحذر منكم لذنوبكم، ولا أشد تعاهدًا منكم لذنوبكم؛ واعلموا أن عليكم ملائكة الله حفظة عليكم، يعلمون ما تفعلون في مسيركم ومنازلكم، فاستحبوا منهم، وأحسنوا صحابتهم، ولا تؤذوهم بمعاصي الله، وأنتم زعمتم في سبيل الله؛ ولا تقولوا: إن عدونا شر منا، ولن ينصروا علينا، وإن أذنبنا؛ فكم من قوم قد سلط أو سخط عليهم بأشر منهم لذنوبهم؛ وسلوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه العون على عدوكم؛ نسأل الله ذلك لنا ولكم، وأرفق بمن معك في مسيرهم؛ فلا تجشمهم مسيرًا يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يلقوا عدوهم؛ والسفر، لم ينقص قوتهم، ولا كراعهم؛ فإنكم تسيرون إلى عدو مقيم، جام الأنفس والكراع، وإلا ترفقوا بأنفسكم وكراعكم في مسيركم، يكن لعدوكم فضل في القوة عليكم في إقامتهم، في جمام الأنفس والكراع، والله المستعان؛ أقم بمن معك في كل جمعة يومًا وليلة، لتكون لهم راحة، يجمون بها أنفسهم وكراعهم، ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم، ونح منزلك عن قرى الصلح، ولا يدخلها أحد من أصحابك لسوقهم وحاجتهم، إلا من تثق به، وتأمنه على نفسه ودينه؛ فلا يصيبوا فيها ظلمًا، ولا يتزودوا منها إثمًا، ولا يرزؤون أحدًا من أهلها شيئًا إلا بحق؛ فإن لهم حرمة وذمة، ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها؛ فلا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح، ولتكن عيونك من العرب ممن تطمئن إلى نصحه من أهل الأرض؛ فإن الكذوب لا ينفعك خبره، وإن صدق في بعضه؛ وإن الغاش عين عليك، وليس بعين لك.

* عن أبي حازم - سلمة بن دينار قال: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب؛ ونحن لا نتوب حتى نموت؛ واعلم، أنك إذا مت، لم ترفع الأسواق بموتك؛ إن شأنك صغير، فاعرف نفسك.

* عن الأنطاكي قال: إعلم، أن الجاهل: من قل صبره على علاج عدوه لنجاته، بل ساعد عدوه على مجاهدته، فذلك أهل أن يضحك به الضاحكون؛ والكلام كثير موجود، وجوهره عزيز مفقود، فإن العلم الكثير الذي يحتاج منه القليل، والأعمال كثيرة، والصدق في الأعمال قليل، والأشجار كثيرة، وطيب ثمرتها قليل، والبشر كثير، وأهل العقول قليل؛ فاستدرك ما قد فات بما بقي، واستصلح ما قد فسد فيما بقي أو وضح، وبادر في مهلتك قبل الأخذ بالكظم، وأعد الجواب قبل المسألة، فقد وجدتك تعد الجوابات لحكام الدنيا قبل مسألتهم إياك، فماذا أعددت من الجوابات لحكم السماء من صدق الجوابات؟ وتقدم في الاجتهاد لتدفع به خطر الاعتذار، فإنك عسيت لا يقبل منك المعذرة، مع إحاطة الحجج بك، وشهادات العلم عليك، واعتراف العقول بالاستهانة لمن لا بد لك من لقائه؛ فاحذر من قبل أن يجافيك الأمر على عظم غفلتك، فيفوتك إصلاح ما قد فات، مع هموم الدنيا ما هو آت، من قبل الإياس منك عند انقطاع الأجل، والأخذ بالكظم مع زوال النعم، حين لا يوصل إلا إلى الندامة؛ فيا لها من حسرة إن عقلت الحسرة، ويالها من موعظة لو صادفت من القلوب حياة؛ وأنا موصيك ونفسي من بعد بوصية، إن قبلت، عشت في الدنيا حكيمًا مؤدبًا فيها سليمًا، وخرجت من الدنيا فقيرًا مغتبطًا فيها مغبوطًا، وفي الآخرة متوجهًا ملكًا.

* عن الفضل بن الربيع قال: حج أمير المؤمنين، فأتاني، فخرجت مسرعًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إلي أتيتك، فقال: ويحك، قد حاك في نفسي شيء، فانظر لي رجلًا أسأله؛ فقلت: ههنا سفيان بن عيينة، فقال: إمض بنا إليه، فأتيناه، فقرعنا الباب، فقال: من ذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعًا، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إلي أتيتك؛ فقال: خذ لما جئناك له رحمك الله، فحدثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ فقال: نعم، قال: أبا عباس، إقض دينه؛ فلما خرجنا، قال: ما أغنى عني صاحبك شيئًا، أنظر لي رجلًا أسأله؛ قلت: ههنا عبد الرزاق بن همام، قال: إمض بنا إليه، فأتيناه، فقرعنا الباب، فخرج مسرعًا، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إلي أتيتك؛ فقال: خذ لما جئناك له، فحادثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: أبا عباس، إقض دينه؛ فلما خرجنا، قال: ما أغنى عني صاحبك شيئًا، انظر لي رجلًا أسأله؛ قلت: ههنا الفضيل بن عياض، قال: إمض بنا إليه، فأتيناه، فإذا هو قائم يصلي، يتلو آية من القرآن يرددها، فقال: إقرع الباب، فقرعت الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: مالي ولأمير المؤمنين؛ فقلت: سبحان الله، أما عليك طاعة، أليس قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس للمؤمن بذل نفسه» فنزل ففتح الباب، ثم إرتقى إلى الغرفة، فأطفأ السراج، ثم إلتجأ إلى زاوية من زوايا البيت؛ فدخلنا، فجعلنا نجول بأيدينا، فسبقت كف هارون قبلي إليه؛ فقال: يالها من كف ما ألينها إن نجت غدًا من عذاب الله عز وجل، فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام من تقى قلب تقي؛ فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله؛ فقال: إن عمر بن عبدالعزيز لما ولي الخلافة، دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا علي؟ ـ فعد الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة ـ فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة من عذاب الله، فصم الدنيا، وليكن إفطارك منها الموت؛ وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله، فليكن كبير المؤمنين عندك أبا، وأوسطهم عندك أخا، وأصغرهم عندك ولدًا، فوقر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك؛ وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت. وإني أقول لك: فإني أخاف عليك أشد الخوف، يومًا تزل فيه الأقدام، فهل معك رحمك الله مثل هذا؟ أو من يشير عليك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديدًا حتى غشي عليه؛ فقلت له: أرفق بأمير المؤمنين، فقال: يا ابن الربيع، تقتله أنت وأصحابك، وأرفق به أنا! ثم أفاق، فقال له: زدني رحمك الله؛ فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أن عاملًا لعمر بن عبد العزيز شكى إليه، فكتب إليه عمر: يا أخي، أذكرك طول سهر أهل النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله، فيكون آخر العهد، وإنقطاع الرجاء. قال: فلما قرأ الكتاب، طوى البلاد، حتى قدم على عمر بن عبد العزيز؛ فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله عز وجل؛ قال: فبكى هارون بكاء شديدًا؛ ثم قال له: زدني رحمك الله؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، أمرني على إمارة، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعل» . فبكى هارون بكاء شديدًا؛ فقال له: زدني رحمك الله، قال: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار، فإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أصبح لهم غاشًا، لم يرح رائحة الجنة» . فبكى هارون، وقال له: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجتي؛ قال: إنما أعني من دين العباد؛ قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، إنما أمرني أن أصدق وعده، وأطيع أمره، فقال جل وعز: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذريات: 56ـ58] فقال له: هذه ألف دينار، خذها، فأنفقها على عيالك، وتقو بها على عبادتك؛ فقال: سبحان الله، أنا أدلك على طريق النجاة، وأنت تكافئني بمثل هذا سلمك الله ووفقك؛ ثم صمت، فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده؛ فلما صرنا على الباب، قال هارون: إذا دللتني على رجل، فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين؛ فدخلت عليه امرأة من نسائه، فقالت: يا هذا، قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال، فتفرجنا به؛ فقال لها: مثلي ومثلكم، كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر، نحروه، فأكلوا لحمه؛ فلما سمع هارون هذا الكلام، قال: ندخل، فعسى أن يقبل المال؛ فلما علم الفضيل خرج فجلس في السطح على باب الغرفة، فجاء هارون، فجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه؛ فبينا نحن كذلك، إذ خرجت جارية سوداء، فقالت: يا هذا، قد آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف رحمك الله،؛ فانصرفنا.

(8/ 105ـ108)

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت