* عن مولى لعمرو بن عتبة، قال: استيقظنا يومًا حارًا، في ساعة حارة؛ فطلبنا عمرو بن عتبة، فوجدناه في جبل، وهو ساجد، وغمامة تظله؛ وكنا نخرج إلى العدو، فلا نتحارس لكثرة صلاته؛ ورأيته ليلة يصلي، فسمعنا زئير الأسد، فهربنا، وهو قائم يصلي، لم ينصرف؛ فقلنا له: أما خفت الأسد؟ فقال: إني لأستحي من الله أن أخاف شيئًا سواه.
* عن بكر بن عبد الله المزني قال يوم الجمعة ـ وأهل المسجد أحفل ما كانوا قط ـ: لو قيل لي: خذ بيد خير أهل المسجد، لقلت: دلوني على أنصحهم لعامتهم؛ فإذا قيل: هذا أخذت بيده. ولو قيل لي: خذ بيد شرهم، لقلت: دلوني على أغشهم لعامتهم. ولو أن مناديًا ينادي من السماء: أنه لا يدخل الجنة منكم إلا رجل واحد، لكان ينبغي لكل إنسان أن يلتمس، أن يكون ذلك الواحد. ولو أن مناديًا ينادي من السماء: أنه لا يدخل النار منكم إلا رجل واحد، لكان ينبغي لكل إنسان أن يفرق، أن يكون هو ذلك الواحد.
* عن معاوية بن قرة قال: دخلت على مسلم بن يسار، فقلت: ما عندي كبير عمل، إلا أني أرجو الله، وأخاف منه؛ قال: ما شاء الله، من خاف من شئ، حذر منه؛ ومن رجا شيئًا، طلبه؛ وما أدري، ما حسب خوف عبد عرضت له شهوة، فلم يدعها، لما يخاف؟ أو ابتلي ببلاء، فلم يصبر عليه، لما يرجو؟ قال معاوية: فإذًا أنا قد زكيت نفسي، وأنا لا أعلم.
* عن علي بن عثام قال: مرض سفيان الثوري بالكوفة، فبعث بمائة إلى متطبب بالكوفة؛ فلما نظر إليه، قال: ويلك، بول من هذا؟ فقال: ما تسأل، انظر ما ترى فيه؟ قال: أرى بول رجل، قد أحرق الخوف كبده، والحزن جوفه.
* عن المغيرة بن حكيم قال: قالت لي فاطمة بنت عبد الملك: يا مغيرة، قد يكون من الرجال: من هو أكثر صلاة وصيامًا من عمر؛ ولكني لم أر من الناس أحدا قط، كان أشد خوفًا من ربه من عمر؛ كان إذا دخل البيت، ألقى نفسه في مسجده؛ فلا يزال يبكي، ويدعو، حتى تغلبه عيناه، ثم يستيقظ؛ فيفعل مثل ذلك ليلته أجمع.
* عن يحيى بن جعدة قال: عاد ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خبابًا، قالوا: أبشر يا عبد الله، ترد على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال: كيف بهذا، وهذا أسفل البيت وأعلاه، وقد قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إنما يكفي أحدكم من الدنيا، كقدر زاد الراكب» .
* عن عبد الله الشامي قال: أتيت طاووسًا، فخرج إلي ابنه شيخ كبير؛ فقلت: أنت طاووس؟ فقال: أنا ابنه؛ قلت: فإن كنت إبنه، فإن الشيخ قد خرف، فقال: إن العالم لا يخرف؛ فدخلت عليه، فقال لي طاووس: سل، وأوجز؛ قلت: إن أوجزت، أوجزت لك؛ قال: تريد أن أجمع لك في مجلسي هذا: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان؟ قلت: نعم؛ قال: خف الله تعالى مخافة، لا يكون عندك شئ أخوف منه؛ وأرجه رجاء، هو أشد من خوفك إياه؛ وأحب للناس ما تحب لنفسك.
* عن شقيق قال: خرجنا في ليلة مخوفة، فمررنا بأجمة فيها رجل نائم، وقد قيد لفرسه وهي ترعى عند رأسه، فأيقظناه؛ فقلنا له: تنام في مثل هذا المكان، فرفع رأسه؛ فقال: إني لأستحي من ذي العرش، أن يعلم أني أخاف شيئًا دونه؛ ثم وضع رأسه، فنام.
* مر سفيان الثوري في طريق اليمن ببعض المنازل، وفيها معن بن زائدة؛ فقال معن: إن أتاني، أعطيته مائة ألف درهم؛ فقلنا لسفيان: لو أتيته، فسلمت عليه؛ فقال سفيان: بلغني أنه يسخط الله: المقام الواحد، والكلمة الواحدة، فأكره أن أقوم مقامًا، أو أتكلم بكلام: أسخط الله علي.
* عن الفضيل بن عياض قال: الخوف أفضل من الرجاء، ما دام الرجل صحيحًا؛ فإذا نزل به الموت، فالرجاء أفضل من الخوف؛ يقول: إذا كان في صحته محسنًا، عظم رجاؤه عند الموت؛ وحسن ظنه إذا كان في صحته مسيئًا، ساء ظنه عند الموت، ولم يعظم رجاؤه.
* عن جسر أبي جعفر قال: دخلت على يونس بن عبيد أيام الأضحى؛ فقال: يا أبا جعفر، خذ لنا كذا وكذا من شاة؛ قال: ثم قال: والله، ما أراه يتقبل مني شيئًا ـ أو قال: خشيت أن لايكون تقبل مني شيئًا ـ ثم حلف على أشد منها: ما أراني ـ أو قال: قد خشيت ـ أن أكون من أهل النار.
* عن عبد الواحد بن زيد قال: قلت لزياد النميري: ما منتهى الخوف؟ قال: إجلال الله عند مقام السوءات؛ قلت: فما منتهى الرجاء؟ قال: تأمل الله على كل الحالات.
* عن الحسن - بن أبي الحسن - قال: قال عبد الله: لو وقفت بين الجنة والنار، فخيرت أن أعلم مكاني منهما، أو أكون ترابًا؛ لاخترت أن أكون ترابًا.
* أن رجلًا سأل ذا النون، فقال: رحمك الله، ما الذي أنصب العباد وأضناهم؟ فقال: ذكر المقام، وقلة الزاد، وخوف الحساب؛ ثم سمعته يقول بعد فراغه من كلامه: ولم لا تذوب أبدان العمال، وتذهل عقولهم، والعرض على الله أمامهم، وقراءة كتبهم بين أيديهم، والملائكة وقوف بين يدي الجبار، ينتظرون أمره في الأخيار والأشرار؛ ثم قال: مثلوا هذا في نفوسهم، وجعلوه نصب أعينهم.
* عن عون بن عبد الله: أنه كان يقول حين يعظ الناس: إنه ليخشى الله من هو أبرأ منا، وإنا لنخشى من لا يملكنا، وكيف يخاف البريء؟ أم كيف يأمن المسيء؟ ثم يقول: ويلي، يخاف البريء بفضل علمه، ويأمن المسيء لنقص عقله.
* عن عبد الله ابن خبيق قال: قال لي يوسف بن أسباط: عجبت، كيف تنام عين مع المخافة؟ أو يعقل قلب مع النفس بالمحاسبة؟ من عرف وخوف حق الله على عباده، ولم يشتمل علينا عيناه إجلالًا بإعطاء المجهود من نفسه؛ خلق الله القلوب مساكن، فصارت للشهوات؛ الشهوات: مفسدة للقلوب، وتلف للأموال، فاحلاق للوجوه؛ لا تمحو الشهوات من القلوب، إلا خوف مزعج، أو شوق مفلق.
* عن أرطاة بن المنذر قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو اتخذت حرسًا، واحترزت في طعامك وشرابك، فإن من كان قبلك يفعله؛ فقال: اللهم، إن كنت تعلم: أني أخاف شيئًا دون يوم القيامة، فلا تؤمن خوفي.
* عن الحسن - البصري - قال: المؤمن من يعلم أن ما قال الله عز وجل كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملًا، وأشد الناس خوفًا، لو أنفق جبلًا من مال، ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحًا وبرًا وعبادةً، إلا إزداد فرقًا، يقول: لا أنجو؛ والمنافق يقول: سواد الناس كثير، وسيغفر لي، ولا بأس علي، فينسئ العمل، ويتمنى على الله تعالى.
* عن يحيى بن الفضل الأنيسي قال: سمعت بعض من يذكر عن محمد بن المنكدر: أنه، بينا هو ذات ليلة قائم يصلي، إذ استبكى، وكثر بكاؤه، حتى فزع أهله، وسألوه ما الذي أبكاه؟ فاستعجم عليهم، وتمادى في البكاء؛ فأرسلوا إلى أبي حازم، فأخبروه بأمره، فجاء أبو حازم إليه، فإذا هو يبكي؛ قال: يا أخي، ما الذي أبكاك، قد رعت أهلك، أفمن علة؟ أم ما بك؟ قال: فقال: إنه مرت بي آية في كتاب الله عز وجل، قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: من الآية47] . قال: فبكى أبو حازم أيضًا معه، واشتد بكاؤهما؛ قال: فقال بعض أهله لأبي حازم: جئنا بك لتفرج عنه، فزدته؛ قال: فأخبرهم ما الذي أبكاهما.
* عن عبد المؤمن الصائغ قال: دعوت رياحًا - بن عمرو القيسي - ذات ليلة إلى منزلي ـ ونحن بعبادان ـ فجاء في السحر، فقربت إليه طعامًا، فأصاب منه شيئًا؛ فقلت: ازدد، فما أراك شبعت؛ قال: فصاح صيحة أفزعني، وقال: كيف أشبع في أيام الدنيا، وشجرة الزقوم طعام الأثيم بين يدي؟ قال: فرفعت الطعام من بين يديه؛ فقلت: أنت في شيء، ونحن في شيء.
* عن حاتم الأصم قال: أصل الطاعة ثلاثة أشياء: الخوف، والرجاء، والحسب.
* عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أن فتى من الأنصار يقال له ثعلبة بن عبد الرحمن: أسلم، فكان يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ بعثه في حاجة، فمر بباب رجل من الأنصار، فرأى امرأة الأنصاري تغتسل، فكرر النظر إليها؛ وخاف أن ينزل الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فخرج هاربًا على وجهه، فأتى جبالًا بين مكة والمدينة، فولجها؛ ففقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يومًا، وهي الأيام التي قالوا: ودعه ربه وقلى؛ ثم إن جبريل عليه السلام نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا محمد، إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول: إن الهارب من أمتك بين هذه الجبال، يتعوذ بي من ناري؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، ويا سلمان، انطلقا، فأتياني بثعلبة بن عبد الرحمن» فخرجا في أنقاب المدينة، فلقيهما راع من رعاء المدينة، يقال له: رفاقة؛ فقال له عمر: يا رفاقة، هل لك علم بشاب بين هذه الجبال، فقال له رفاقة: لعلك تريد الهارب من جهنم، فقال له عمر: وما علمك أنه هارب من جهنم؟ قال: لأنه إذا كان جوف الليل، خرج علينا من هذه الجبال، واضعًا يده على رأسه، وهو يقول: يا ليتك قبضت روحي في الأرواح، وجسدي في الأجساد، ولم تجردني في فصل القضاء، قال عمر: إياه نريد؛ قال: فانطلق بهم رفاقة، فلما كان في جوف الليل: خرج عليهم من بين تلك الجبال، واضعًا يده على أم رأسه، وهو يقول: يا ليتك قبضت روحي في الأرواح، وجسدي في الأجساد، ولم تجردني لفصل القضاء؛ قال: فعدا عليه عمر، فاحتضنه، فقال: الأمان، الخلاص من النار؛ فقال له عمر: أنا عمر بن الخطاب، فقال: يا عمر، هل علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذنبي؟ قال: لا علم لي، إلا أنه ذكرك بالأمس، فبكي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فارسلني أنا وسلمان في طلبك؛ فقال: يا عمر، لا تدخلني عليه، إلا وهو يصلي، وبلال يقول: قد قامت الصلاة، قال: أفعل؛ فأقبلا به إلى المدينة، فوافقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في صلاة الغداة، فبدر عمر وسلمان الصف، فما سمع قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى خر مغشيًا عليه؛ فلما سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا عمر، ويا سلمان، ما فعل ثعلبة بن عبد الرحمن؟ قالا: هو ذا يا رسول الله، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا، فقال: «ثعلبة» قال: لبيك يا رسول الله، فنظر إليه، فقال «ما غيبك عني؟» قال: ذنبي يا رسول الله، قال: «أفلا أدلك على آية تكفر الذنوب والخطايا؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: قل: «اللهم، آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» ؛ قال: قال: ذنبي أعظم يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «بل كلام الله أعظم» ثم أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالانصراف إلى منزله، فمرض ثمانية أيام؛ فجاء سلمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، هل لك في ثعلبة نأته لما به، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قوموا بنا إليه» فلما دخل عليه، أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه، فوضعه في حجره، فأزال رأسه عن حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لم أزلت رأسك عن حجري؟» قال: إنه من الذنوب ملآن؛ قال: «ما تجد؟» قال: أجد مثل دبيب النمل بين جلدي وعظمي، قال: «فما تشتهي؟» قال: مغفرة ربي؛ قال: فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إن ربك يُقرئ عليك السلام، ويقول: لو أن عبدي هذا لقيني بقراب الأرض خطيئة، لقيته بقرابها مغفرة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أفلا أعلمه ذلك» قال: بلى؛ فأعلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فصاح صيحة، فمات؛ فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغسله، وكفنه، وصلى عليه؛ فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي على أطراف أنامله؛ فقالوا: يا رسول الله، رأيناك تمشي على أطراف أناملك؛ قال: «والذي بعثني بالحق نبيًا: ما قدرت أن أضع رجلي على الأرض، من كثرة أجنحة من نزل لتشييعه من الملائكة» .
* عن عبد الله بن المبارك قال: أكثركم علمًا، ينبغي أن يكون: أشدكم خوفًا.
* عن وهب بن الوردقال: قرأت في الحكمة: للكفر أربعة أركان: ركن منه: الغضب؛ وركن منه: الشهوة؛ وركن منه: الطمع؛ وركن منه: الخوف.
* عن عون - بن عبد الله بن عتبة - قال: كان أخوان في بني إسرائيل؛ فقال أحدهم لصاحبه: ما أخوف عمل عملته عندك؟ فقال: ما عملت عملًا أخوف عندي، من أني مررت بين قراحي سنبل، فأخذت من أحدهما سنبلة، ثم ندمت؛ فأردت أن القيها في القراح الذي أخذتها منه، فلم أدر أي القراحين هو، فطرحتها في أحدهما؛ فأخاف أن أكون قد طرحتها في القراح الذي لم آخذها منه؛ فما أخوف عمل عملته أنت عندك؟ قال: إن أخوف عمل عملته عندي: إذا قمت في الصلاة، أخاف أن أكون أحمل على إحدى رجلي فوق ما أحمل على الأخرى ـ قال: وأبوهما يسمع كلامهما ـ فقال: اللهم، إن كانا صادقين: فاقبضهما إليك، قبل أن يفتتنا؛ فماتا، قال: فما ندري أي هؤلاء أفضل؟ قال: يزيد الأب أرى أفضل.