فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 392

* وعنه قال: يا إخوتاه، تدرون أين يذهب بي، يذهب بي والله الذي لا إله إلا هو إلى النار، أو يعفو عني.

* عن مالك بن دينار قال: لو استطعت أن لا أنام، لم أنم؛ مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم، ولو وجدت أعوانًا، لفرقتهم ينادون في سائر الدنيا كلها: يا أيها الناس، النار، النار.

* عن نوفل بن إياس الهذلي قال: كان عبد الرحمن لنا جليسًا، وكان نعم الجليس، وأنه انقلب بنا يومًا، حتى دخلنا بيته، ودخل فاغتسل، ثم خرج، وأتينا بصحفة فيها خبز ولحم؛ فلما وضعت، بكى عبد الرحمن بن عوف؛ فقلنا له: يا أبا محمد، ما يبكيك؟ قال: هلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، ولا أرانا أخرنا لها، لما هو خير منها.

* كان الأسود- بن يزيد النخعي-مجتهدًا في العبادة، يصوم حتى يخضر جسده ويصفر، وكان علقمة بن قيس يقول له: لم تعذب هذا الجسد؟ قال: راحة هذا الجسد أريد؛ فلما احتضر، بكى؛ فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: مالي لا أجزع، ومن أحق بذلك مني، والله لو أتيت بالمغفرة من الله عز وجل، لهمني الحياء منه، مما قد صنعته؛ إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير، فيعفو عنه، فلا يزال مستحيًا منه؛ ولقد حج الأسود ثمانين حجة.

* عن الحسن قال: خرج هرم بن حيان وعبد الله بن عامر يؤمان الحجاز، فجعل أعناق رواحلهما تخالجان الشجر؛ فقال هرم لابن عامر: أتحب أنك شجرة من هذه الشجر، فقال ابن عامر: لا والله، أنا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من ذلك، قال له هرم، وكان أفقه الرجلين، وأعلمهما بالله: لكني والله، لوددت أني شجرة من هذا الشجر، قد أكلتني هذه الراحلة، ثم قذفتني بعرًا؛ ولم أكابد الحساب يوم القيامة، إما إلى الجنة، وإما إلى النار؛ ويحك يا ابن عامر: إني أخاف الداهية الكبرى.

* عن بكر بن ماعز قال: انطلق الربيع بن خثيم وعبد الله بن مسعود إلى شاطئ الفرات، فمر بتلك الحدادين؛ فلما رأى تلك النيران، خر مغشيًا عليه، فرجع إليه؛ فقال: يا ربيع، فلم يجبه؛ فانطلق، فصلى بالناس العصر، ثم رجع إليه: يا ربيع، يا ربيع، فلم يجبه؛ ثم انطلق، فصلى بالناس المغرب، ثم رجع: يا ربيع، يا ربيع؛ فلم يجبه، حتى ضربه برد السحر.

* عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله بن مسعود، ومعنا الربيع بن خثيم، فمررنا على حداد، فقام عبد الله ينظر حديدة في النار، فنظر ربيع إليها، فتمايل ليسقط؛ فمضى عبد الله، حتى أتينا على أتون، على شاطئ الفرات؛ فلما رأى عبد الله، والنار تلتهب في جوفه، قرأ هذه الآية: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان:12] . إلى قوله: {ثُبُورًا} [الفرقان: 13] . قال: فصعق الربيع، فاحتملناه، فجئنا به إلى أهله؛ قال: ثم رابطه إلى المغرب، فلم يفق، ثم إنه أفاق؛ فرجع عبد الله إلى أهله.

* عن ابن أبي مليكة قال: استأذن ابن عباس على عائشة، فقالت: لا حاجة لي بتزكيته؛ فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: يا أمتاه، إن ابن عباس من صالح بيتك، جاء يعودك، قالت: فأذن له، فدخل عليها؛ فقال: يا أمه، أبشري، فوالله، ما بينك وبين أن تلقي محمدًا والأحبة، إلا أن يفارق روحك جسدك، كنت أحب نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه، ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب إلا طيبًا؛ قالت: أيضًا؛ قال: هلكت قلادتك بالأبواء، فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلتقطها، فلم يجدوا ماء، فأنزل الله عز وجل فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء: 43] . فكان ذلك بسببك وبركتك: ما أنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة؛ وكان من أمر مسطح ما كان، فأنزل الله تعالى برائتك من فوق سبع سمواته؛ فليس مسجد يذكر الله فيه، إلا وشأنك يتلى فيه، آناء الليل وأطراف النهار؛ فقالت: يا ابن عباس، دعني منك ومن تزكيتك، فوالله، لوددت أني كنت نسيًا منسيًا.

* عن فضالة ابن عبيد: أنه كان يقول: لأن أعلم أن الله تقبل مني مثقال حبة من خردل، أحب إلي من الدنيا وما فيها، لأن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] .

* عن أصبغ بن زيد قال: كان أويس القرني إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع حتى يصبح؛ وكان يقول إذا أمسى: هذه ليلة السجود، فيسجد حتى يصبح؛ وكان إذا أمسى: تصدق بما في بيته، من الفضل، من الطعام والثياب؛ ثم يقول: اللهم، من مات جوعًا، فلا تؤاخذني به.

* عن أبي الدرداء قال: إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب: أن يقال لي: قد علمت، فما عملت فيما علمت.

* وعنه قال: أخوف ما أخاف: أن يقال لي يوم القيامة: يا عويمر، أعلمت أم جهلت؟ فإن قلت: علمت، لا تبقى آية آمرة أو زاجرة، إلا أخذت بفريضتها الآمرة: هل ائتمرت، والزاجرة: هل ازدجرت؛ وأعوذ بالله: من علم لا ينفع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع.

* عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه: أنه كان لا يعجبه شيء من ماله، إلا خرج منه لله عز وجل؛ قال: وكان ربما تصدق في المجلس الواحد، بثلاثين ألفًا؛ قال: وأعطاه ابن عامر مرتين: ثلاثين ألفًا، فقال: يا نافع، إني أخاف أن تفتنني دراهم ابن عامر، اذهب، فأنت حر؛ وكان لا يدمن اللحم شهرًا، إلا مسافرا، أو في رمضان؛ قال: وكان يمكث الشهر، لا يذوق فيه مزعة لحم.

* عن أم الدرداء عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أنه قال: قلت له: مالك لا تطلب لأضيافك، كما يطلب غيرك لأضيافهم؟ فقال: لأني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أمامك عقبة كؤودًا، لا يجوزها المثقلون» , فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة.

* عن طارق بن عبد الرحمن قال: وقع الطاعون بالشام، فاستعر فيها؛ فقال الناس: ما هذا إلا الطوفان، إلا أنه ليس بماء؛ فبلغ معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، فقام خطيبًا؛ فقال: إنه قد بلغني ما تقولون، وإنما هذه رحمة ربكم عز وجل، ودعوة نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، وكفت الصالحين قبلكم؛ ولكن خافوا ما هو أشد من ذلك: أن يغدوا الرجل منكم من منزله، لا يدري: أمؤمن هو، أم منافق، وخافوا إمارة الصبيان.

* عن قرعة قال: رأيت على ابن عمر ثيابًا خشنة، أو خشبة؛ فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، إني أتيتك بثوب لين، مما يصنع بخراسان، وتقر عيناي عليك، فإن عليك ثيابًا خشنة، أو خشبة؛ فقال: أرنيه حتى أنظر إليه، قال: فلمسه بيده، وقال: أحرير هذا؟ قلت: لا، إنه من قطن؛ قال: إني أخاف أن ألبسه، أخاف أن أكون مختالا فخورًا؛ والله لا يحب كل مختال فخور.

* عن مسروق قال: قال رجل عند عبد الله: ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين؛ أكون من المقربين، أحب إلي؛ قال: فقال عبد الله: لكن هناك رجل، ودّ لو أنه إذا مات، لم يبعث ـ يعني نفسه ـ.

* عن شداد بن أوس الأنصاري رضي الله تعالى عنه: أنه كان إذا دخل الفراش، يتقلب على فراشه، لا يأتيه النوم؛ فيقول: اللهم، إن النار أذهبت مني النوم، فيقوم فيصلي، حتى يصبح.

* عن سماك، قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: لما طعن عمر، دخلت عليه، فقلت له: أبشر يا أمير المؤمنين، فإن الله قد مصر بك الأمصار، ودفع بك النفاق، وأفشى بك الرزق؛ قال: أفي الإمارة تثني علي يا ابن عباس؟ فقلت: وفي غيرها؛ قال: والذي نفسي بيده، لوددت أني خرجت منها، كما دخلت فيها، لا أجر، ولا وزر.

* عن الضحاك قال: قال عمر رضي الله عنه: ليتني كنت كبش أهلي، يسمنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنت أسمن ما أكون، زارهم بعض من يحبون، فجعلوا بعضي شواء، وبعضي قديدًا؛ ثم أكلوني، فأخرجوني عذرة؛ ولم أك بشرًا.

* عن عمر بن الخطاب قال: لو نادى مناد من السماء: أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم أجمعون، إلا رجلًا واحدًا، لخفت أن أكون هو؛ ولو نادى مناد: أيها الناس، إنكم داخلون النار، إلا رجلًا واحدًا، لرجوت أن أكون هو.

* عن ابن عمر قال: كان رأس عمر على فخذي، في مرضه الذي مات فيه؛ فقال لي: ضع رأسي على الأرض، قال: فقلت: وما عليك، كان على فخذي أم على الأرض؟ قال: ضعه على الأرض؛ قال: فوضعته على الأرض، فقال: ويلي وويل أمي، إن لم يرحمني ربي.

* عن عبد الله بن الرومي قال: بلغني أن عثمان رضي الله عنه قال: لو أني بين الجنة والنار، ولا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادًا، قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير.

* عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف: أنه أتى بطعام، قال شعبة: أحسبه كان صائمًا؛ فقال عبد الرحمن: قتل حمزة، فلم نجد ما نكفنه فيه، وهو خير مني؛ وقتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، فلم نجد ما نكفنه؛ وقد أصبنا منها ما قد أصبنا؛ قال شعبة ـ أو قال ـ أعطينا ما أعطينا ـ ثم قال عبد الرحمن: إني لأخشى أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا في الدنيا. قال شعبة: وأظنه قال: ولم يأكل.

* عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: والله لو تعلمون ما أعلم، ما انبسطتم إلى نسائكم، ولا تقاررتم على فرشكم؛ والله، لوددت أن الله عز وجل خلقني يوم خلقني: شجرة تعضد، ويوكل ثمرها.

* عن أبي صالح ـ ختن مالك بن دينار ـ قال: قلت في نفسي: يموت مالك وأنا معه في الدار، لا أعلم ما عمله؛ قال: فصليت معه العشاء الآخرة، ثم مضيت، ثم جئت، فلبست قطيفة، في أطول ما يكون من الليل؛ وجاء مالك، فدخل، فقرب رغيفه، فأكل؛ ثم قام إلى الصلاة، فاستفتح، ثم أخذ بلحيته؛ فجعل يقول: يا رب، إذا جمعت الأولين والآخرين، فحرم شيبة مالك على النار؛ قال: فوالله، ما زال كذلك، حتى غلبتني عيني؛ قال: ثم انتبهت، فإذا هو على تلك الحال؛ يقدم رجلًا، ويؤخر أخرى؛ ويقول: يا رب، إذا جمعت الأولين والآخرين، فحرم شيبة مالك على النار؛ قال: فوالله، ما زال كذلك، حتى طلع الفجر؛ قال: فقلت لنفسي، والله، لئن خرج مالك فرآني، لاقلقن باله أبدًا، قال فجئت إلى المنزل، وتركته.

* عن نعيم بن مورع قال: أتينا عطاء السليمي ـ وكان عابدًا ـ فدخلنا عليه، فجعل يقول: ويل لعطاء، ليت عطاء لم تلده أمه؛ وعليه مدرعة، فلم يزل كذلك، حتى اصفرت الشمس؛ فذكرنا بعد منازلنا، فقمنا، وتركناه؛ وكان يقول في دعائه: اللهم ارحم غربتي في الدنيا، وارحم مصرعي عند الموت، وارحم وحدتي في قبري، وارحم قيامي بين يديك.

* عن محمد بن يزيد قال: سمعت سفيان الثوري يقول: بلغني: أنه يأتي على الناس زمان، تمتلىء قلوبهم في ذلك الزمان من حب الدنيا، فلا تدخله الخشية؛ قال سفيان: وأنت تعرف ذلك، إذا ملأت جرابًا من شيء، حتى يمتلىء؛ فأردت أن تدخل فيه غيره، لم تجد لذلك من خلاء.

* عن أبي إسحاق قال: أوى أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل إلى فراشه؛ فقال: يا ليت أمي لم تلدني، فقالت له امرأته: أبا ميسرة، أليس قد أحسن الله إليك؟ هداك للإسلام، وفعل بك كذا؟ قال: بلى، ولكن الله أخبرنا إنا واردون على النار، ولم يبين لنا إنا صادرون عنها.

* عن أبي بكير البصري قال: قالت أم محمد بن كعب القرظي لابنها: يا بني، لولا أني أعرفك صغيرًا طيبًا، وكبيرًا طيبًا، لظننت أنك أحدثت ذنبًا موبقًا، لما أراك تصنع بنفسك في الليل والنهار؛ قال: يا أماه، وما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي وأنا في بعض ذنوبي، فمقتني؛ فقال: اذهب، لا أغفر لك؛ مع أن عجائب القرآن تورد علي أمورًا، حتى أنه لينقضي الليل، ولم أفرغ من حاجتي.

* عن ابن أبي مليكة قال: قال ابن عباس: لما طعن عمر، كنت قريبًا منه، فمسست بعض جسده، وقلت: جلدًا لا تمسه النار؛ قال: فنظر إلي نظرة، جعلت أرثي له منها؛ قال: وما علمك بذلك؛ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأحسنت صحبته؛ ففارقك وهو عنك راض، وصحبت المسلمين، وأحسنت صحبتهم؛ ففارقتهم إن شاء الله إن أنت فارقتهم، وهم عنك راضون؛ فقال: أما ما ذكرت من صحبتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنما كان ذلك منًا من الله عز وجل، من به علي، وأن الذي ترى بي من صحبتكم؛ فلو أن لي ما في الأرض من شيء، لافتديت به من عذاب الله، قبل أن أراه.

* عن سعيد بن جبير قال: إن الخشية: أن تخشى الله تعالى، حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية؛ والذكر طاعة الله، فمن أطاع الله، فقد ذكره؛ ومن لم يطعه، فليس بذاكر، وإن أكثر التسبيح، وقراءة القرآن.

* عن أحمد بن ضرار العجلي قال: أتيت داود الطائي ـ وهو في دار واسعة خربة، ليس فيها إلا بيت، وليس على بيته باب ـ؛ فقال له بعض القوم: أنت في دار وحشة، فلو اتخذت لبيتك هذا بابًا، أما تستوحش؟ فقال: حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا.

* عن جرير بن عبد الحميد قال: كانت أم منصور تقول له: يا بني، إن لعينك عليك حقًا، ولجسمك عليك حقًا؛ فكان يقول لها منصور: دعي عنك منصورًا، فإن بين النفختين نومًا طويلًا.

* عن عبد الله بن بشر: أن طاووسًا اليماني كان له طريقان إلى المسجد، طريقا في السوق، وطريق آخر؛ فكان يأخذ في هذا يومًا، وفي هذا يومًا؛ فإذا مر في طريق السوق، فرأى تلك الرؤس المشوية، لم ينعس تلك الليلة.

* عن مسروق قال: كفى بالمرء علمًا: أن يخشى الله؛ وكفى بالمرء جهلًا: أن يعجب بعمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت