فهرس الكتاب

الصفحة 564 من 1029

-أكثر براهين هذا العلم (علم ما بعد الطبيعة) هي براهين منطقية، وأعني بالمنطقية هاهنا مقدّمات مأخوذة من صناعة المنطق. وذلك أن صناعة المنطق تستعمل استعمالين: من حيث هي آلة وقانون تستعمل في غيرها، ويستعمل أيضا ما تبيّن فيها في علم آخر على جهة ما يستعمل ما تبيّن في علم نظري في علم آخر. وهي إذا استعملت في هذا العلم قريب من المقدّمات المناسبة إذ كانت هذه الصناعة تنظر في الموجود المطلق، والمقدّمات المنطقية هي موجودة لموجود مطلق مثل الحدود والرسوم وغير ذلك مما قيل فيها (ش، ت، 749، 2) - (علم ما بعد الطبيعة) غرضه ... النظر في الموجود بما هو موجود، وفي جميع أنواعه إلى أن ينتهي إلى موضوعات الصنائع الجزئية، وفي اللواحق الذاتية له وتوفية جميع ذلك إلى أسبابه الأول وهي الأمور المفارقة. ولذلك ليس يعطي هذا العلم من الأسباب إلا السبب الصوري والغائي والفاعل بوجه ما، أعني لا على الوجه الذي يقال عليه الفاعل في الأشياء المتغيّرة، إذ كان ليس من شرط الفاعل هاهنا أن يتقدّم مفعوله تقدما زمانيا كالحال في الأمور الطبيعية. وكما أن جميع ما يعطي أسبابه في العلم الطبيعي إنما يعطي من جهة الطبيعة والأشياء الطبيعية، كذلك ما يرام هاهنا من إعطاء الأسباب للأمور الموجودة إنما يعطي من جهة الآلة والأشياء الآلية وهي الموجودات التي ليست في هيولى (ش، ما، 30، 22) - (علم ما بعد الطبيعة) ينحصر في ثلاثة أقسام:

القسم الأول ينظر فيه (أرسطو) في الأمور المحسوسة بما هي موجودة وفي جميع أجناسها التي هي المقولات العشر وفي جميع اللواحق التي يلحقها وينسب ذلك إلى الأوائل فيها بقدر ما يمكنه في هذا الجزء. وأما القسم الثاني فينظر فيه في مبادئ الجوهر وهي الأمور المفارقة ويعرّف أي وجود وجودها وينسبها أيضا إلى مبدأها الأول الذي هو اللّه تعالى، ويعرّف الصفات والأفعال التي تخصّه، وبيّن أيضا نسبة سائر الموجودات إليه وأنه الكمال الأقصى والصورة الأولى والفاعل الأول، إلى غير ذلك عن الأمور التي تخصّ واحدا واحدا من الأمور المفارقة وتعمّ أكثر من واحد منها. والقسم الثالث ينظر فيه في موضوعات العلوم الجزئية ويزيل الأغاليط الواقعة فيها لمن سلف من القدماء، وذلك في صناعة المنطق وفي الصناعتين الجزئيتين، أعني العلم الطبيعي والتعليمي (ش، ما، 32، 12) - أما منفعة هذا العلم (ما بعد الطبيعة) فهي من جنس منفعة العلوم النظرية ... إذ كانت نسبة هذا العلم إلى سائر العلوم النظرية نسبة الغاية والتمام، لأن بمعرفته تحصل معرفة الموجودات بأقصى أسبابها الذي هو المقصود من المعرفة الإنسانية. وأيضا فإن العلوم الجزئية إنما تحصل على التمام بهذا العلم، إذ كان هو الذي يصحّح مبادئها ويزيل الغلط الواقع فيها ... وأما مرتبته في التعليم فبعد العلم الطبيعي، إذ كان ... يستعمل على جهة الأصل الموضوع ما تبرهن في ذلك العلم من وجود قوى لا في هيولى. ويشبه أن يكون إنما سمّي هذا العلم علم ما بعد الطبيعة من مرتبته في التعليم، وإلّا فهو متقدّم في الوجود، ولذلك يسمّى الفلسفة الأولى (ش، ما، 34، 5) - الموجودات التي وراء الحسّ وهي الروحانيات ويسمّونه (الفلاسفة) العلم الإلهي وعلم ما بعد الطبيعة فإنّ ذواتها مجهولة رأسا ولا يمكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت