وكانت العادة أن يستنيب من كل مذهب واحدا ليحكم في الأمور السابقة على مذهبه ولكن باذنه، فلمّا امتنع من تلك القضية، أثار جمال الدين أيد غدي العزيزي، بتولية أربعة مستقلين من المذاهب، فأعجب السلطان ذلك، ففعله في سنة ثلاث وستين، ثم فعل ذلك في دمشق، ثم تتابع فعله، على تطاول السنين في باقي الممالك، وفي بعضها قاضيان فقط. وكان له ولدان: صدر الدين، وتقي الدين.
136 -صدر الدين
فأمّا ولده: صدر الدين عمر، كان فقيها، عارفا بالمذهب له معرفة بالعربية، ودين وحرمة وافرة وصلابة، عديم المزاح، كثير الصدقة والبر بالفقهاء، درّس بمواضع، وولّي قضاء الديار المصرية سنة ثمان وسبعين وستمائة، وعزل في شهر رمضان سنة تسع وسبعين، واقتصر على تدريس الصالحية، وتوفي يوم عاشوراء، سنة ثمانين وستمائة عن خمس وخمسين سنة.
137 -تقي الدين
أبو القاسم، عبد الرحمن، فهو من بيت لم يزل فيهم مع توالي الأعصار، وتصرف الليل والنهار، أعلام علم ودين، وأرباب قدم وتمكين، إلى أن نشأ المذكور، فرفع في طرائق الفخار منارهم، وأوقد في علم العلوم نارهم، كان فقيها، إماما، بارعا شاعرا، خيّرا، ديّنا مربيا للطلبة، متواضعا كريما، تفقّه على والده، وعلى ابن عبد السلام، وتولى الوزارة، وقضاء القضاة، ومشيخة الشيوخ فسار أحسن سيرة، وما يرضاه عالم العلانية والسريرة، وأضيف إليه تدريس الصالحية والشريفية بالقاهرة، والمشهد الحسيني، وخطابة جامع الأزهر، وامتحن محنة شديدة، في أول الدولة الأشرفية، وعمل على إتلافه بالكلّية، وذلك بسعاية الوزير ابن السلعوس الدمشقي لأنه كان يصحب الأشرف قبل سلطنته، وكان قاضي