والفرق بين الوجهين أنَّهُ على الأوَّلِ يَفْتَرقُ الحكمُ في المصحفِ المحمولِ والموضوعِ، فَتَفْسُدُ (1) الصَّلاةُ لو كان مَحمولًا، ولا تَفْسُدُ (2) لو كان مَوضوعًا لعدم علَّتِهِ، وهو الحملُ والتَّقليبُ.
فإن قُلْتَ: إنَّما يَدُلُّ هذا التَّعليلُ على الافتراقِ إذا كان عدمُ العلَّةِ يُوجِبَ عَدَمَ الحُكْمِ، وقد عُرِفَ في الأصولِ أنَّ انتفاءَ العلَّةِ لا يُوجِبُ عَدَمَ الحُكْمِ؛ لجوازِ أن يثبتَ الحُكْمُ المعينُ بعلل شتى. فيجبُّ إثباتُه عند وجودِ علَّة انعدامِ غيرِهِ.
قُلْتُ: التَّعرضُ في هذا التَّعليلِ بحمل المصحفِ والتَّقليبِ إشارةٌ إلى أنَّ نَفْسَ التَّلَقُّنِ غيرُ مُفْسِدٍ، وإلا لم يكنْ لهذا التَّطويل فائدةٌ فيقتضي الافتراقَ بحُكْمِ هذه الإشارة، كذا قِيل.
وأمَّا على التَّعليلِ الثَّاني: فلا يَفْتَرقان فَتَفْسُدُ الصَّلاةُ بمجردِ الأخذِ عن المُصْحَفِ، وإن كان مَوضوعًا، وقد صحَّح النَّسَفِي في (( الكافي ) ) (3) الثَّاني، وقال: الصَّحيحُ أنَّهُ يُفْسِدُ بكلِّ حالٍ تِبْعًَا لِمَا صحَّحه شمس الأئمة السَرَخْسي وجزم به الزَّيْلَعِي، وعلته تتفرع أنَّهُ لو لم يكنْ قادرًا على القراءةِ إلا من المصحف، فصلَّى بغير قراءة ذكر الفَضْلي أنَّها تجزيه، وهو منقولٌ عن الشيخ الإمام أبي بكر بن الفضل (4) ، وصحَّح في (( الظهيرية ) ) (5) : عدم الجواز.
(1) في الأصل (( فيفسد ) ).
(2) في الأصل (( يفسد ) ).
(3) الكافي شرح الوافي )) مخطوط في مكتبة الأوقاف العامة في العراق، برقم (13593) .
(4) هو الإمام عبد العزيز بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر محمد بن الفضل بن جعفر بن رجاء القاضي النَّسَفِي (ت533هـ) . (( الفوائد البهية ) ) (ص166) ، و (( تاج التراجم ) ) (190) .
(5) الفتاوي الظهيرية )) للعلامة ظهير الدين أبي بكر محمد بن أحمد البخاري الحنفي (ت619) .