الصفحة 19 من 45

28 -شدة في الحق .. مع شدة في الفقر

* وفيه أيضًا في حوادث سنة تسع وخمسين ومائة:

وفيها توفي الإمام أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب: هشام بن شعبة القرشي العامري المدني الفقيه، ومولده سنة ثمانين، روى عن عكرمة ونافع وخلقٍ.

قال أحمد بن حنبل: كان يشبَّه بسعيد بن المسيب، وما خلَّف مثله، كان أفضل من مالك، إلا أن مالكًا أشد تنقية للرجال.

وقال الواقدي: كان ابن أبي ذئب يصلي الليل أجمع، ويجتهد في العبادة، فلو قيل: إن القيامة تقوم غدًا ما كان فيه مزيد من الاجتهاد، وأخبرني أخوه أنه كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا ثم سردَه، وكان شديد الحال، يتعشى بالخبز والزيت، وكان من رجال العالم صرامة وقولًا بالحق، وكان يحفظ حديثه لم يكن له كتاب.

وقال أحمد: دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر - يعني المنصور - فلم يؤهّله أن قال: الظلم ببابك فاشٍ، وأبو جعفر أبو جعفر (أي مشهور في شدته وبطشه) .

29 -أنواع مرض القلوب

* ابن القيم في (( زاد المعاد ) ):

والمرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان، وهما مذكوران في القرآن، ومرض القلوب نوعان: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن.

قال تعالى في مرض الشبهة: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) .

وقال تعالى: (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) .

وقال تعالى في حق من دعي إلى تحكيم القرآن والسنة فأبى وأعرض: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ(48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (50 ) ) .

فهذا مرض الشبهات والشكوك.

وأما مرض الشهوات فقال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) فهذا مرض شهوة الزنى والله أعلم.

30 -الطب الروحي

* وفيه أيضًا:

وأين يقع هذا وأمثاله (الطب المادي) من الوحي الذي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره، فنسبة ما عندهم (الأطباء) من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلة ما جاءت به الأنبياء، بل ههنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض ما لم تهتد إليها عقول أكابر الأطباء ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم: من الأدوية القلبية والروحية، وقوة القلب، واعتماده على الله، والتوكل عليه والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له، والصدقة، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء ولا تجربته ولا قياسه.

وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورًا كثيرة؛ ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية؛ بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة الأدوية الطرقية عند الأطباء.

وهذا جارٍ على قانون الحكمة الإلهية، ليس خارجًا عنها، ولكن الأسباب متنوعة، فإن القلب متى اتصل برب العالمين وخالق الداء والدواء، ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء؛ كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه، المعرض عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت