وقد ورد ذكر الأنهار في الآية مع الجبال لتوجيه الأنظار إلى العلاقة الوطيدة بينهما لأن الجبال غالبًا ما تكون بطونها مخازن للماء ومنها تتفجَّر الأنهار، لكونها مساقط الثلوج والأمطار.
وظواهر الأرض عمومًا تشير بوضوح إلى أنها قد صُمِّمت لتكون صالحة ليحيا الإنسان مستريحًا على ظهرها، مستمتعًا بخيراتها، بدليل قوله تعالى: {والأَرضَ فرشْناها فنِعْمَ الماهِدُون} (51 الذاريات آية 48) والفراش هو المكان المعدُّ لاستلقاء الإنسان وراحته.
وفي ضوء هذه النُّصوص المعجزة، وفي ظل هذه اللمسات القصيرة العبارة، الهائلة المدى، في أجواء السماء، وفي آماد الأرض، وفي أعماق الخلائق، يهتف القرآن بالبشر ليتَّجهوا إلى خالق السماء والأرض، متجرِّدين من كلِّ ما يثقل أرواحهم ويقيِّدها، متحرِّرين من الأغلال الَّتي تشدُّ النفس البشرية إلى هذه الأرض، وتثقلها وتأسرها عن الانطلاق في رحاب التوحيد والعبودية لله الواحد الأحد.
الفصل الثاني:
خلق الملائكة
سورة الأنبياء (21)
قال الله تعالى: {وقالوا اتَّخذ الرَّحمنُ وَلَدًا سُبحانَهُ بل عِبادٌ مُكْرَمون (26) لا يسبِقُونَهُ بالقَوْلِ وهم بأَمْرِهِ يَعملون (27) يَعْلَمُ ما بين أيْدِيِهم وما خَلْفَهُم ولا يَشفعون إلاَّ لِمنِ ارتضى وهم من خشيته مُشْفِقُون (28) ومن يَقُلْ منهم إنِّي إلهٌ من دُونِه فذلك نَجْزِيهِ جهنَّم كذلك نَجزي الظَّالمين (29) }
ومضات:
ـ زعم بعض جاهليِّي العرب أن الملائكة هم بنات الله، وردَّ تعالى عليهم بقوله بأنهم عباد مخلوقون، مقرَّبون لديه، كرَّمهم بعبادته الدائمة المتَّصلة، الَّتي لا يشوبها زيغ أو ضلالة.
ـ الملائكة مخلوقات كسائر المخلوقات، لا تنفِّذ أمرًا ولا تنجز عملًا إلا بإذن الله تعالى وإرادته.
ـ الله تعالى محيط بالملائكة، كما يحيط بسائر خلقه، فلا يغيب عنه شأن من شؤونهم.