هذا يدل على مدى حرص حذيفة رضي الله عنه على معرفة الشر ، وقد علل هذا الحرص بأمرين:
الأمر الأول: قوله: (( مخافة أن يدركني ) )أي الشر فلا يعرفه فيقع في مزالقه الوعرة ، فأراد معرفة ذلك لتوقيه واجتنابه ، فقال كما في رواية عبد الرحمن بن قرط (( وكنت أسأله عن الشر كما أعرفه فأتقيه ) ).
كما أن الضد ـ وهو الخير ـ لا يُعرف حسنه إلا بمعرفة ما يضاده ويناقضه ، وكما قيل:
عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ لكنْ لتوقِّيه ... ومن لا يعرِفِ الشرَّ من الناس يقَعْ فيهِ
وأما الأمر الثاني: فلمعرفته ( رضي الله عنه ) أن معرفة الخير سهلة متيسرة ، مثلما بَيَّن ذلك في رواية عبد الرحمن بن قرط قوله: (( وعلمت أن الخير لا يفوتني ) ).
الفائدة الثانية: ومع كل هذا الحرص الذي أظهره حذيفة رضي الله عنه إلا أنه قد فاته من الشر ما لم يسأل عنه ، فتألم لفوات ذلك كثيرًا ، قال الحاكم في المستدرك ولهذا فقد خفي عن حذيفة رضي الله عنه السبب الذي يخرج أهل المدينة من المدينة ، و علمه غيره .
وقد اتفق البخاري ومسلم، رضي الله عنهما على حديث شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ، فَمَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا قَدْ سَأَلْتُهُ ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ مَا يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ الْمَدِينَةِ )) .