…والعقل يحتم أن لا تكون العبادة إلاّ للخالق لأنه هو الأزلي، وهو واجب الوجود، فلا يجوز أن تكون العبادة لغيره. فهو الذي خلق الإنسان والكون والحياة، وهو المتصف بصفات الكمال المطلق. فإذا اعتقد الإنسان بوجوده فيتحتم أن يعبده، ويتحتم أن تكون العبادة له وحده. فالإقرار بكونه خالقًا، فطريًا وعقليًا، يحتم على المُقِر أن يعبده، لأن العبادة رجع لشعوره بوجوده، وهي أعظم مظهر من مظاهر الشكر التي يجب أن يقوم بها المخلوق لمن أنعم عليه بنعمة الخلق والإيجاد. فالفطرة تحتم العبادة، والعقل يحتم العبادة. والفطرة تحتم أن تكون هذه العبادة لهذا الخالق وحده دون غيره، والعقل يحتم أن يكون الذي يستحق العبادة والشكر والثناء هو الخالق وحده دون سواه. ولذلك نجد الذين استسلموا للوجدان وحده في إحداث رجع التقديس دون أن يستعملوا العقل، ضلّوا، فعبدوا معبودات متعددة مع اعترافهم بوجود الخالق الواجب الوجود، ومع اعترافهم بأن هذا الخالق واحد. ولكنهم حين أحدثوا رجع التدين، قدّسوا الخالق، وقدّسوا معه غيره، فعبدوا الخالق، وعبدوا المخلوقات، إما باعتبارها آلهة تستحق العبادة لذاتها، وإما ظنًا منهم أن الخالق حلّ بها، أو أنه يرضى بالتقرب إليه في عبادتها.
…فالفطرة تحتم وجود الخالق، ولكن رجع التقديس الذي يتحتم إحداثه حين يحصل ما يحرك مشاعر التدين يؤدي إلى جعل التقديس لكل ما يُظن فيه أنه المستحق للعبادة، إما لكونه خالقًا، أو لتصور رضا الخالق بتقديسه، أو للظن بأنه حلّ به. فيؤدي ذلك إلى تعدد المعبودات، مع وحدة الخالق.
…ولذلك جاء ظن التعدد متجهًا نحو المعبود، لا نحو الخالق، فكان النفي للتعدد يجب أن يكون نفيًا للمعبودات، وحصرًا للعبادة بالخالق الأزلي الذات، الواجب الوجود.