…فمثلًا: قد ترى في الليل شبحًا فتظنه عدوًا لك؛ فتتحرك فيك غريزة البقاء في مظهر الخوف؛ فإذا استجبت لهذا الشعور، وأحدثتَ الرجع الذي يتطلبه وهو الهرب مثلًا، كان ذلك خطأ منك، لأنك قد تهرب من لا شيء! وقد تهرب من شيء لا تنفع فيه إلاّ المقاومة، فيكون رجعك الذي أحدثته خطأ. ولكن حين تستعمل عقلك، وتفكر في هذا الشعور الذي ظهر لديك قبل أن تُحدث الرجع الذي يتطلبه، يتبين لك ما هو الذي يجب أن تقوم به من الأعمال. فقد يتبين لك أن الشبح عامود كهرباء، أو شجرة، أو حيوان، وحينئذ يتبدد لديك الخوف وتظل سائرًا. وقد يتبين لك أنه سبع لا تقوى على الركض أمامه، فتلجأ إلى الحيلة في تسلق شجرة، أو اللجوء إلى منزل فتنجو. ولذلك لا يجوز أن يقوم الإنسان بالرجع الذي تتطلبه الغريزة، إلاّ مع استعمال العقل، أي لا يجوز أن يقوم بأعمال بناء على دافع الوجدان وحده، بل لا بد من استعمال العقل مع الوجدان. ومن هنا كان لا بد أن يكون التقديس مبنيًا على التفكير مع الوجدان، لأنه رجع لغريزة التدين، فلا يجوز أن يحصل هذا الرجع دون تفكير، لأنه قد يؤدي إلى الضلال أو الخطأ. فوجب أن لا يُحدث الإنسان هذا الرجع لغريزة التدين إلاّ بعد التفكير، أي إلاّ باستعمال العقل. ولذلك لا يجوز أن تكون عبادة إلاّ وفق ما يرشد إليه العقل، حتى تكون هذه العبادة لمن تهدي الفطرة لعبادته، وهو الخالق المدبر الذي يشعر الإنسان أنه محتاج إليه.