وهذا النص منه مستغنى عن التعليق، فإذا حاول مثله أن يجعل لنفسه شأنا بأن يمهد السبيل لذلك بالطعن في الفقه والفقهاء وتشكيك الناس في الحديث ونقلته، وفي اعتقاد المسلمين وأئمته، واجترأ على تحكيم العرف على نصوص الكتاب والسنة وإباحة نبذ الأحكام باسم المصلحة وقام يهيئ الجو لنقلحق الطلاق من يد مالكه الشرعي بنصوص الكتاب والسنة إلى المرأة، أو القاضي بعد أن تمكن من إلغاء الطلاق الثلاث المتوارث، وحكم تعليق الطلاق المتوارث رغم الأدلة المتضافرة والإجماع اليقيني في المسألتين، ترى أنها المؤمن الصادق بنور الإيمان إيمانك ما وراء الأكمة، وتبقى متمسكًا بدينك ولو كالقابض على الجمر، كما هو شأن المسلم عند فساد الزمان، ولا تنخدع بخزعبلاتهم المنقولة عن أناس لا يشهد لهم التاريخ بالإمامة في العلم ولا بالورع....
وليس العرف في قوله (: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (1) . بمعنى العادة الجارية هنا وهناك، بل هو الحكم المعروف الذي لا ينكره الشرع، ولا يستقبحه، بل يره الرع ويستحسنه العقل، يوصي الله سبحانه في الآية المذكورة بالتسامح مع الناس في المعاملة الشخصية معهم، والمجاهرة بحكم الله ي غير هوادة، وترك الالتفات إلى من يحاول إيصال الأذى في هذا السبيل.
فمن فسر العرف هنا بالعادة: فقد فسر بالرأي بدون مدرك لا في الرواية ولا في الدراية، وإنما عرف العرف بمعنى العادة بعد زمن الوحي، كما لا يجهل ذلك أهل العلم بأطوار اللغة، فلا يتصور حل الربا ولا المتعة ولا حرمة تعدد الزوجات، ولا إباحة الخمر ـ إذا سميت شايًا باردًا ـ ولا استساغة السفور والتبرج.... إلى ما لا آخر له من التهوسات المرذولة بدعوى تغير الأحوال الاجتماعية، وتغير الأزمان وتغير العرف والمصلحة.
(1) الأعراف:199.