وأختم الكلام على هذا الأصل بكلام للإمام الكوثري (1) (: (( نظر المسلم إلى الشرع الإسلامي هو أنه قانون إلهي مقدس منزل لإسعاد من تمسك به، لا يعتريه التحوير والتغيير بعد انقطاع زمن الوحي، وأنه الدين الكالم الكافل لمصالح البشر في جميع الأزمنة والأمكنة، وإن ما ينط بالعرف والمصلحة من أحكامه إنما يختلف عند تغير العرف والمصلحة لكن هذا ليس من التغيير والتبديل في شيء، وإنما هو تفصيل من الشارع الحكيم للحكم بالنظر إلى حال وحال، فلا دخل لأهواء الرجال في ذلك أصلًا.
وأما من كان نظره إلى الشرع الإلهي كنظره إلى القوانين الوضعية في التغيير والتبديل، فلا يتهيب المساس به، ولا يخشى أن يدخل تحت قوله (: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} (2) ، ولا يأبى مثله أن يجاهر أما وفود أن قواني القرون الوسطى لا تصلح للقرن الحاضر، يريد أن الأحكام الشرعية لم تبق صالحة؛ لتيسير شؤون الأمة في القرن العشرين متناسيًا أن الله سبحانه يقول: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (3) .
ومن كلام الشيخ للوفد العراقي المنشور في الأهرام (28فبراير سنة 1936) : (( وأن من ينظر إلى كتب الشريعة الأصلية بعين البصر والحذق، يجد أنه من غير المعقول أن تضع قانونًا، أو كتابًا، أو مبدأً في القرن الثاني من الهجرة، ثم تجيء بعد ذلك فتطبق هذا القانون، أو الكتاب، أو المبدأ في مصر، أو في العراق في سنة(1354هـ) )).
(1) في مقالة: نظر المرء إلى شرع الله معيار دينه ص333-337.
(2) البقرة:79.
(3) النساء:65.