قال الإمام الكوثري (1) : (( ومن الذي ينطق لسانه بأن المصلحة قد تعارض حجج الله من الكتاب والسنة والإجماع؟ والقول بذلك قول بأن الله لا يعلم مصالح عباده، فكأن هذه القائل يرى أنه أدرى بمصالح العباد من الحكيم الخبير( حتى يتصور معارضة مصالحم للأحكام التي دلت عليها أوامر الله المبلغة على لسان رسوله ـ سبحانك هذا إلحاد أقرع ـ.
ومن أعار سمعًا لمثل هذا التقول لا يكون له نصيب من العلم، ولا من العزّة القومية، وفي الذي يميلون إلى مثل ذلك الرأي الإلحادي يجدر أن ينشد قول القائل:
عمى القلوب عموا عن كل فائدة لأنهم كفروا بالله تقليدًا
وليست تلك الكلمة غلطة من عالم حسن النية تحتمل التأويل، بل فتنة فتح بابها قاصد شر، ومثير فتن )) .
ونقض هذا الأصل فيما يلي:
أولًا: إن من المعلوم لدى كل عاقل أن الذهن البشري محدود القدرات، فإحاطته بالأمور إحاطةً تامةً غير متيسرة، وإلا لما احتجنا إلى الشريعة السماوية لتنظيم أمور حياتنا، فخالق هذا العقل أنزل له شريعة يسترشد بها في دنياه، وتوصله إلى السعادة في أخراه، فإذا اعتمدنا في بيان الأحكام الشرعية على عقلنا، وما يرشدنا له من خير، لم يعد بيننا وبين أهل القوانين الوضعية فرق؛ لأنهم استرشدوا بعقولهم لبيان ما يصلح حياتهم وسنِّ قوانين تنظمها، فكان ما نرى في عالمنا من الويلات في مختلف البلاد.
لكننا نحن المسلمون نرى أن المصلحة الحقيقية هي المصلحة التي يراها الشارع وإن خالفت المصلحة العقلية؛ لأننا نعتقد أن شريعتنا من خالق العقل وكل شيء، وهو يعلم علمًا أزليًا ما يصلح حياتنا، وما فيه خيرنا، فدينه حقّ وخير، بخلاف العقل فإنه كثيرًا ما يتوهم مصالح، وتكون العاقبة مفسدة.
(1) في مقالة رأي النجم الطوفي في المصلحة ص345.