الخامس: إن كبار المحققين المنصفين من العلماء عندما بحثوا بعض المسائل التي يدور فيها الخلاف بين المذاهب الفقهية أعادوا سبب الاختلاف فيها إلى الاختلاف في أصول كلّ منهم بالنظر إلى الأدلة الشرعية، فكلّ مذهب عندما ينظر من خلال أصوله إلى هذه الأدلة الفرعية فإنه سيقتضي المسألة التي تبناها، وأقرّوا أن كلَّ مذهب منها له أدلته القوية التي يستند لها في فروعه.
وأكتفي بالتمثيل على ذلك بنقل كلام عالمين من كبار أئمة محدثي وفقهاء هذه العصر، شهد لها بذلك الداني والقاصي، وهما:
الإمام اللكنوي إذ ألَّف كتابًا سمّاه (( إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام ) )وبلغ عدد صفحاته في الطبعة الحجرية القديمة (239) صفحة، قال ( بعد البحث المستفيض في المسألة(1) : (( وأما سائر المذاهب الباقية فدلائلها لحسب اختلاف أصولهم، ومداركهم قوية، والقول الفيص فيها أن الخلاف في الركنية وعدمها متفرّع حقيقة على مسألة أصولية، وهي أن الركنية هل تثبت بخبر الآحاد الظنية، أم لا بد لها من الدلائل القطعية، فمن ذهب إلى الأول أثبت الركنية، ومن أنكره لم يثبت الركنية وإن سلم دلالتها عليها، وعدم وجود معارضتها، والخلاف في ركنيتها للمؤتم مبني على خلاف آخر أيضًا، وهو أن الظني هل تجوز به الزيادة على القطعي، وتخصيصه به، أو نسخه ب، أم لا يجوز، فمن قال بجوازها، قال بها، ومن لا فلا.... ) ).
والإمام الكشميري إذ ألَّف كتابين:
أحدهما: سمّاه: (( فصل الخطاب في مسألة أم الكتاب ) )وهي المسألة التي سبق كتاب الإمام اللكنوي فيها وبلع عدد صفحاته (153) صفحة، لم يقم بالطعن أئمة الفقهاء وتضعيف أقوالهم، وإنما بيَّن قوة حجة كلٍّ منهم، فقال في خاتمته (2) : (( فاعلم أني ما كتبت هذه السطور لقصد الرد على الشافعية، وإنما كتبتها ليعلم وجه الحنفية في اختيار الترك، فكنت من المنصتين لا المنازعين... ) ).
(1) إمام الكلام ص230.
(2) فصل الخطاب 1: 152.