وساعده على هذا الإحكام أنه عندما قدم بغداد وأخذ ينشر مذهبه القديم ردَّ عليه عيسى بن أبان الحنفي (ت221هـ) (1) في كتابه (( الحجج الكبير ) )، فبيَّن عوار الأصول التي بنى عليها الشافعي ( مذهبه القديم(2) ، وأيضًا في ذهابه لمصر التقى بعلماء مصر ومن بينهم تلاميذ لليث بن سعد ( فكان لهم أثرًا في علمه، وبهذه الأسباب وغيرها استطاع أن يبني مذهبًا جديدًا متينًا قويًا في مصر، قال الربيع المرادي (:(( أقام الشافعي هاهنا ـ يعني بمصر ـ أربع سنين فأملى ألفًا وخمسمئة ورقة، وخرج كتاب (( الأم ) )ألفي ورقة، وكتاب السنن وأشياء كثير كلّها في أربع سنين، وكان عليلًا شديد العلة )) (3) .
فلو كان الاجتهاد والترجيح هو الاعتماد على ظاهر حديث فحسب، لما وجدنا إمام المحدثين الشافعي ( يغيره مذهبه من قديم إلى جديد لأن ظاهر الأحاديث لا يتغير.
(1) وهو الإمام الفقيه الأصولي المحدث أبو موسى عيسى بن أبان بن صَدَقة، قال القرشي: الإمام الكبير تفقَّه على محمد بن الحسن، قال: هلال بن يحيى: ما في الإسلام قاضٍ أفقه منه في وقته، قال أبو حازم: ما رأيت أحدًا مثله إلا محمد بن سماعة فتمنَّيت أن أكون مثله، وما رأيت قط فقيهين متواضعين كل واحد منهما يوجب صاحبه كإيجابه لنفسه. ينظر: الجواهر المضية 2: 678-680. طبقات ابن الحنائي ص32.
(2) ينظر: بلوغ الأماني في سيرة محمد بن الحسن الشيباني ص50، وغيره.
(3) ينظر: المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي ص106 عن مناقب الشافعي للبيهقي 2: 291، والمدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي ص165-166، وغيرها.