الأول: أنه لو كان استناد الفقهاء إلى ظاهر الحديث في الاستنباط والترجيح لما وجدنا كل مذهب فقهي له كتب أصول خاصة به تبين المنهج الذي سلكه أئمة المذهب في استخراج الأحكام وترجيحها، ولما وجدناهم يبذلون كل هذه الجهد في تحرير هذه الأصول في مقابل أصول غيرهم من الأئمة، وفي إقامة الحجج والبراهين الساطعة عليها، بل إن هذا الفهم الظاهر للدليل يختلف من شخص لآخر على حسب ذكائه وعلمه، ولا يحتاج إلى هذه الأصول.
وفي هذا الأمر هدم لمنهج هؤلاء الفقهاء، وللأصول التي بنوها، والتراث الذي استخرجوه، ولا شك في بطلان ذلك.
الثاني: إن الفقهاء المعتبرين سلكوا طرقًا في الترجيح بين الأدلة المعارضة في الظاهر، وبسطوا الكلام عنها في فصل خاص من كتب أصولهم، نكتفي منه بمثال لما اعتمده السادة الأحناف في الترجيح، جاز في (( أصول الشاشي ) ) (1) : (( إذا تعارض الدليلان عند المجتهد:
فإن كان التعارض بين الآيتين يميل إلى السنة.
وإن كان بين السنتين يميل إلى آثار الصحابة( والقياس الصحيح.
ثم إذا تعارض القياسان عند المجتهد يتحرّى ويعمل بأحدهما؛ لأنه ليس دون القياس دليل شرعي يصار إليه. وعلى هذا قلنا: إذا كان مع المسافر إناءان طاهر ونجس لا يتحرى بينهما بل يتيمم )) .
فهذا مثال لدى أحد المذاهب في الترجيح بين المتعارضين، لا نجد فيه الاستناد إلى ظاهر الحديث، وإنما يمكن أن يتوافق ظاهر الحديث مع المسألة المستخرجة بالاستناد إلى الأصول المقررة لدى المذهب، فليس معنى هذا أن ظاهر الحديث استحق أن يكون أصلًا فحسب يستند إلى في التخريج والاستنباط، بدليل أنك تجد في كل مذهب مسائل توافق ظاهر الأحاديث ومسائل تخالفه، فلو كان الظاهر أصلًا فقط عند مذهب منهم فينبغي أن نجد جميع مسائله متوافقة مع ظواهر الأحاديث.
(1) أصول الشاشي ص304.