إن هذه الطريقة في الجمع بين المذاهب في آن واحد لا المؤلِّف أو المدرس إلا من عرض أمهات المسائل في كلِّ باب، وبيان الخلاف فيها، وهذه حقيقة ليست طريقة تفقيه المتفقه، وإنما هي طريق تثقيق للطلبة لا غير بحيث تطلعه على بعض المسائل ووجه الخلاف فيها بين المذاهب، فلا يستطيع الطالب ضبط شيء من أبواب الفقه لا ليطبقه في حياته، ولا ليجيب من يسأله، بل تجده صار متلاعبًا متهتكًا؛ لأن لم يخرج من دراسته بشيء يعتمد عليه.
أما طريقة التفقيه التي سار عليها سلفنا وخلفنا مع الطلبة حتى حفظوا لنا هذا الدين، وأخرجوا لنا هؤلاء العلماء الذين نقرأ تراجمهم في كتب التاريخ، وتركوا لنا هذه الكتب الفقهية العظيمة فإنها تقوم تفقيه المتفقهة من خلال الفروع الفقهية التي لا تنتهي، بحيث تبني لدى الطالب ملكة فقهية قوية، وتنمي قدراته على كيفية بناء مسائل كل باب، وما هو الأصل المعتمد عليه في ذلك، حتى تمكنه من معرفة حكم كل ما يقع في حياته من مسائل، وما يسأله عنه مجتمعه.
إن عرض آراء المذاهب الفقهية المختلفة بدون ترجيح، أو ترجيح بعضها بطريقة عصرية هزيلة، لا تعمق فهم للمسألة، ولا تنمي عقليته الفقهية، ولا تحفزه للانحياز لقول فقهي يتبناه، ويعمل به في حياته، بل إن هذه الطريقة تعمل على تمييع الفقه، وعلى القول بإباحة كل شيء، وعدم الانتصار لشيء من المذاهب الفقهية، فلا ترتفع همة الطالب لضبط الفقه ومتابعة مسائله ومعرفة دقائق، وإنما يبقى فرحًا بمعرفته السطحية للفقه وتهجمه على الفقه وأهله.