إنهم صاروا يعتمدون في دراستهم على المؤلفات العصرية المتهافتة، وغير المنضبطة ولا الملتزمة بمذهب معين، وهذه الكتابات تعتمد إلى حدٍّ كبير على الأسلوب الإنشائي الفارغ، التي تعود الطالب على الكلام الكثير الذي لا طائل من تحته سوى التلاعب بالأحكام الشرعية، بخلاف المؤلفات القديمة المنضبطة والملتزمة بتقرير مسائل مذهب معين في عبارة جزلة موجزة التي تبني الطالب بنية علمية قوية محكمة بعيدة عن التلاعب والتهاون بالشريعة.
إن المسائل تعرض لهم بطريقة مقارنة، ففي كلٍّ منها يقال: لهم: قال أبو حنيفة: كذا، وقال الشافعي: كذا، وهكذا، ومرّة يرجحون لهم بين هذه الأقوال، وفي الغالب يترك الاختيار للطالب ليأخذ ما شاء، حتى لو سأل المدرس ما الراجح فيها؟ قال: اختر ما تريد. قال العلامة ابن حزم (1) : (( ومن حلل وحرم باختلاف الفقهاء فقد أقر أنهم يحرمون ويحللون ويوجبون فهذا كفر ممن اعتقده ) ).
وهذا الأمر يجعل الطالب يتخبط فلا يضبط شيئًا من هذه الأقوال، بل تراه يتبع ما يمليه عليه هواه دون اهتمام هل قال به أحد، أم لم يقل؟ لأن هذه الطريقة تنزع هيبة العلم والعلماء من قلبه فلا يعد لأقوالهم وآرائهم مكانته في نفسه.
فترى الطالب الجاد يبذل جهدًا عظيمًا في حفظ هذه الأقوال للامتحان وبعده ينساها مباشرةً؛ لأن المادة تحتوي على عشرات المسائل إن لم يكن المئات، وكل منها فيها عدة أقوال فهذا محال ضبطه إلا لمدرس للمادة أمضى فيها عمره على هذه الصورة، ومع تجده يخلط أحيانًا.
(1) في الإحكام 5: 80.