الفصل الثالث: في فوائد مقاصد الشريعة
اعلم - رحمك الله - أن لمقاصد الشريعة فوائد كثيرة، إلا أن جِماعها أربع فوائد كبرى:
أولها: أنها دلالةٌ على الكمال في التشريع والأحكام؛ إذ إن الشريعةَ بُنيت على مقاصد رفيعة في كلياتها وجزئياتها، ولا ريب أن الحكم إذا كان عن مَقْصَد وعِلَّة وفائدة فإنه كمال، خلافًا لما كان عَارِيًا من ذلك.
قال ابن القيم رحمه الله: (( إنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة، هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا ) ) [1] . وقال أيضًا: (( إن كل ما خلقه وأمر به: فله فيه حكمة بالغة، وآيات باهرة؛ لأجلها خلقه وأمر به ) ) [2] .
وقال ابن تيمية رحمه الله: (( إن العقل الصريح يعلم أن من فعل فعلا لا لحكمة، فهو أَولى بالنقص ممن فعل لحكمة كانت معدومة، ثم صارت موجودة في الوقت الذي أحب كونها فيه. فكيف يجوز أن يقال: فعله لحِكْمة تستلزم النقص وفعله لا لحكمة لا نقص فيه ) ) [3] .
ثانيها: أنها تفيد معرفة بمراتب المصالح والمفاسد، ودرجات الأعمال في الشرع والواقع، وهذا مُهِمّ عند الموازنة وتزاحم الأحكام. يقول ابن تيمية رحمه الله: (( والمؤمن ينبغي له أن يَعْرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، كما يَعْرف
(1) (( شفاء الغليل ) ): ص: 190. طبعة مكتبة الرياض الحديثة.
(2) (( مفتاح دار السعادة ) ): (3/ 16) . طبعة ابن عفان.
(3) (( شرح الأصفهانية ) ): ص 362.