الله، فذهب وفد من يهود إلى مكة، يحرضون على قتال رسول الله، وتسألهم قريش بصفتكم أهل الكتاب الأول: أديننا خير أم دين محمد؟ فيقولون لهم بخبث يهود ومكر يهود وغدر يهود وكذب يهود: بل دينكم خير من دين محمد، ويسجل الله هذا الأمر في كتابه الكريم (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا * أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا) [النساء: 51 - 53] .
الغيب في غزوة الأحزاب
وتتهيأ قريش بعد أن عقدت معاهدة مع يهود لغزو المدينة من جديد، وتتحرك قريش ب عشرة آلاف مقاتل، جيش لم تشهده الجزيرة العربية من قبل، وينضم إليهم ألاف من الأعراب في الطريق.
ويصل الخبر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيأخذ بالأسباب المادية التي لا بد منها لطمأنة النفس البشرية فقط لأن النصر من عند الله، فيشير عليه سلمان الفارسي - رضي الله عنه - بأن يحفر الخندق حول المدينة، وقال:"كنا في فارس إذا هوجمنا خندقنا".. ثم بعد ذلك يبدأ الغيب في العمل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قسم حفر الخندق بين أصحابه، فأعترضت صخرة في الخندق في القسم الذي كان يعمل به حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي - رضي الله عنهما -، ولم يستطيعوا مع الصخرة عملا، فخرجوا إلى رسول الله يستشيرونه ماذا يفعلون، فنزل صلى الله عليه وسلم الخندق، وأخذ المعول بيده، فضرب الصخرة أول ضربة فخرج منها شرر أضاء ما بين لابتي المدينة (أطراف المدينة) ، فكبر الرسول وكبر أصحابه بتكبيره وأنفلق ثلث الصخرة، وضرب الصخرة الضربة الثانية، فخرج منها شرر أضاء ما بين لابتي المدينة، فكبر الرسول وكبر أصحابه بتكبيرة وأنفلق الثلث الثاني من الصخرة، وضرب الصخرة الضربة الثالثة فأنتهت الصخرة، وخرج منها شرر أضاء ما بين لابتي المدينة، فكبر الرسول وكبر أصحابه بتكبيره، ولما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من الخندق سأله حذيفة بن اليمان عن الشرر الذي كان يخرج وعن التكبير الذي كان يكبره.
فقال صلى الله عليه وسلم:"أرأيتم ما رأى حذيفة؟"، قالوا:"نعم"، فقال رسول الله صلى عليه وسلم:""أما الضربة الأولى فقد أضاءت لي منها قصور الحيرة بأرض فارس فأخبرني جبريل بأن أمتي ظاهرة عليها، وأما الضربة الثانية فقد أضاءت لي منها قصور الحمر بأرض الروم فأخبرني جبريل بأن أمتي ظاهرة عليها، وأما الضربة الثالثة فقد أضاءت لي منها قصور صنعاء اليمن، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل بأن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا يبلغهم الفتح وأبشروا يبلغهم الفتح وأبشروا يبلغهم الفتح"". فقال المسلمون: يعدنا النصر بعد الحصر وأما المنافقون فقالوا (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) [الأحزاب: 12] .
ويتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم أسبابا مادية فيها الدهاء، فيوقع بين يهود وقريش، في مهمة قام بها نعيم بن مسعود - رضي الله عنه -، وكان غير معروف الإسلام حتى ذلك الحين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:""ثبط عنا يا نعيم""، فذهب إلى قريش يخبرهم بأن يهود قد ندموا على حرب محمد ويريدون أن يأخذوا منكم رهائن يقدمونها لمحمد كبادرة حسن نية، وذهب إلى يهود وقال لهم: قريش ستترككم وندمت على حرب محمد فأطلبوا من قريش رهائن حتى لا يتركوكم. وهكذا وقع الخلاف بين المشركين ويهود.
ويتدخل الغيب مرة أخرى، وهو لم ينقطع عن التدخل، ففي إحدى الليالي قال رسول الله صلى عليه وسلم:""من يأتني بخبر القوم ويكون رفيقي في الجنة""، فلم يتحرك أحد من الصحابة، لهول الموقف وشدته، عند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:""قم يا حذيفة بن اليمان، فأتني بخبر القوم ولا تحدث أمرا حتى ترجع""فكان هذا تكليف من القائد، قال حذيفة:"ذهبت وكانت الليلة شديدة البرودة، لكني كنت أتصبب عرقا، ووجدت أن الريح قد بدأت تعمل عملها وتحارب إلى جانب المسلمين، فتكفت القدور، وتهدم الخيم وتزمجر، فقال أبو سفيان قائد الحملة، ليتعرف كل واحد منكم على صاحبه الذي بجانبه، وبدأت بصاحبي:"من أنت؟"، خوفا من أن يسألني، وكنت أستطيع أن أضرب أبا سفيان بسهم، لكني تذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم"لا تحدث أمرا حتى ترجع"، وعند ذلك وقف أبو سفيان فوق ناقته وقال:"لم تعد الدار دار مقام، وإني راحل فأرحلوا"وهكذا رد الله قريشا على أعقابها خاسرة، وأبطل مكيدة يهود."