الصفحة 16 من 46

ما أجمل الإسلام ، وما ألطفه ، وما أحسن آدابه ، وما أروع تربيته النابعة من مشكاة النبوة ، تلك التربية التي جاء بها أستاذ البشرية ومعلم الإنسانية ، ليحدد معالم الشخصية المسلمة ، وليقيم أركان المجتمع المثالي المسلم .

قال الخطابي: معنى (لا تغضب) اجتنب أبواب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه , وأما نفس الغضب , فلا يتأتى النهي عنه , لأنه أمر جبلي. وقيل المنهي عنه الغضب المكتسب , وقيل: المعني: لا تفعل ما يأمرك به الغضب , وقيل: هو أمر بالتواضع , لأن الغضب إنما ينشأ عن الكبر لكونه يقع عند مخالفة ما يريده , فيحمله الكبر على الغضب , وقيل: لأن السائل كان غضوبًا , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر كل أحد بما هو أولى به , فاقتصر في وصيته على ترك الغضب . قال ابن التين: ( جمع صلى الله عليه وسلم في قوله:( لا تغضب ) خير الدنيا والآخرة , لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق، وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه فينتقص ذلك من الدين) (1) وقال الجرداني: إن هذا الحديث عظيم ، وهو من جوامع الكلم ، لأنه جمع بين خيري الدنيا والآخرة وقال ابن رجب: إن هذا الحديث يدل على أن الغضب جماع الشر ، وأن التحرز منه جماع الخير؛وفضل هذا الحديث انه من جماع آداب الخير والذي اختصر فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم الوصية لمن طلبها منه في قوله:"لا تغضب". (2) ؛ ومناسبة هذا الحديث ورد أن رجلًا قيل هو أبو الدرداء رضي الله عنه وقيل هو جارية بن قدامة رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يوصيه بما ينفعه في الدنيا والآخرة ، فأجابه معلم الناس الخيرـ صلى الله عليه وسلم ـ بعبارة مختصرة ، قال فيها:"لا تغضب"ومعنى ذلك أي لا تنفذ غضبك ، فليس النهي هنا راجعًا إلى حالة الغضب فهي حالة نفسية وطبع بشرى لا يمكن للإنسان دفعه أو الإمتناع عنه ، إلا لمن أراد الله سبحانه .

(1) فتح الباري (10/520)

(2) تقدم ذكره ص 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت