رابعاً: جعل الله بيته العتيق آمنا يأمن فيه العباد ، فهو حرم آمن ، فيأمن فيه الصيد الذي أباح الله للمسلمين أكله خارج الحرم فيأمن فيه حال وجوده فيه حتى يخرج ، فلا ينفّر ولا يقتل ، قال الله: { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } أي وجب أن يؤمّن ، وليس المعنى أنه لا يقع فيه أذى لأحد ولا قتل لا .. بل قد يقع ، وإنما المقصود: { ومن دخله كان آمنا } أي وجب تأمين من دخله وعدم التعرض له بسوء ، ولقد كانت الجاهلية تعرف ذلك ، فكان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يؤذيه بشيء حتى يخرج .
خامساً: كما أن هذا الحرم العظيم جعله الله مثابة للناس وأمنا ، وأوجب على نبيه إبراهيم وإسماعيل أن يطهراه للطائفين والعاكفين والركع السجود كما قال في الآية: { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } ، والقائم هنا هو: المقيم وهو: العاكف ، والطائف معروف ، والركع السجود هم: المصلون ولهذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك يوم فتح مكة وأخبر أنه حرم آمن وأن الله حرمه يوم خلق السماوات والأرض ولم يحرمه الناس ، وقال: لا ينفر صيده ولا يعضد شجره ولا يختلى خلاه ولا يسفك فيه دم ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف فيجب على المسلمين كما وجب على إبراهيم وإسماعيل والأنبياء وعلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم أن يحترموه ويعظموه ، وأن يحذروا ما حرم الله فيه من إيذاء المسلمين والظلم لهم والتعدي عليهم حجاجا أو عمارا أو غيرهم ، كما يجب تطهير هذا البيت للمقيمين فيه والمتعبدين فيه .