ومن المهم أن أؤكِّد في هذا السِّياق أن استنارة الأمَّة تحتاج أن تتصف كلُّ الخطابات الموجَّهة إليها بالصِّدق والموضوعيَّة والدقَّة والتوازن والإنصاف، كما ينبغي أن تتَّسم بأكبر درجة ممكنة من الوضوح ووضع النِّقاط على الحروف. لا يصحُّ أبداً اللعب بعقول الناس وإخفاء الحقائق عنهم، كما لا يصحُّ تخدير مشاعرهم، بالعبارات التي تدلُّ على تفاؤل ليس له رصيدٌ من الواقع.
أضف إلى كلِّ هذا اتصاف الخطاب بـ (العمليَّة) فالأمَّة تعرف الكثير الكثير من فضائل الصلاح والاستقامة والتقدُّم، كما أنها تعرف الكثير الكثير من المبادئ والقيم والأخلاق المطلوبة لذلك، لكنها لا تعرف إلا القليل عن السياسات والبرامج والأساليب والأدوات التي ينبغي توفيرُها من أجل النُّهوض بجوانب الحياة المختلفة. ومن المهم أن أشيرَ إلى أن عدم الاهتمام ببحث هذه الأمور جعل تنظيرَنا للتقدُّم يتسم بالمثاليَّة ويمتلئ بالتكرار الذي يصلُ إلى حدِّ الابتذال!.
إن المطلوب على مستوى الخطاب هو أن ننتقل من (يجب) إلى (كيف) ، ومن (المبادئ) و (الكلِّيَّات) إلى (الخطط) و (البرامج) و (الكيفيَّات) ، فالناس يحتاجون حاجةً ماسَّة إلى من يدلُّهم على الطريق، ويساعدهم على المضيِّ فيه، ويوفِّر لهم الأدوات التي يمكن أن يستخدموها في كلِّ ذلك.
2-من المهمِّ أن يدرك صنَّاع الأفكار والمنظِّرون للتقدُّم أن هناك عقبةً كؤوداً تحول دون تحقيق تواصُلهم مع الجماهير العريضة، وتلك العقبةُ تتمثَّل في إعراض معظم الشباب المسلم عن القراءة والاطِّلاع. إذ ما الفائدةُ من الكتب العظيمة التي نؤلِّفها إذا كان الناس الذين نظنُّ أنهم يحتاجون إليها معرضين عنها؟! وما فائدةُ الأنوار الساطعة إذا كانت توقَد في دار يسكنُها العُميان؟.