فتارةً يكون الرِّياء محضًا؛ بحيث لا يُراد به سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال الله - عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلًا} [النساء: 142] .
وهذا الرِّياء المحض لا يكاد يَصْدُرُ من مؤمنٍ في فرض الصلاة والصيام، وقد يَصْدُرُ في الصَّدقة الواجبة أو الحج، وغيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي يَتعدَّى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيزٌ، وهذا العمل لا يشكُّ مسلمٌ أنه حَابِطٌ، وأن صاحبه يستحقُّ المقت من الله والعقوبة.
وتارةً يكون العمل لله، ويشاركه الرِّياء، فإن شاركه في أصله؛ فالنصوص الصحيحة تدلُّ على بطلانه وحبوطه أيضًا، كالحديث السابق: (( أنا أغنى الشركاء عن الشرك ) ).
وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إذا جمع الله الأوَّلين والآخرين ليومٍ لا ريب فيه، نادى منادٍ: مَنْ كان أشرك في عملٍ عمله لله - عزَّ وجلَّ، فليطلب ثوابه من عند غير الله - عزَّ وجلَّ؛ فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك ) ).
وخرَّج النَّسائي بإسناد جيد، عن أبي أُمامة الباهلي - رضي الله عنه - أن رجلًا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أرأيتَ رجلًا غزا يلتمس الأجرَ والذِّكْرَ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لا شيء له ) ). فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لا شيء له ) )، ثم قال: (( إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتُغِيَ به وجهه ) ).
ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا، وإن كان فيه خلافٌ عن بعض المتأخِّرين.