وهكذا القرآن الكريم لم ينزل لأهل عصر النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أنزل لهم ولمن بعدهم ممَّن يبلغه كتاب الله - كما قال تعالى: {هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَْلْبَابِ *} [إبراهيم] . وقال عز وجل: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [19: الأنعَام] . وكان النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا يختلطن بالرجال - لا في المساجد ولا في الأسواق - الاختلاط الذي ينهى عنه المصلحون اليوم ويرشد القرآن والسنة وعلماء الأمة إلى التحذير منه حذرًا من فتنته؛ بل كان النساء في مسجده صلى الله عليه وسلم يصلين خلف الرجال في صفوف متأخرة عن الرجال، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: خيرُ صُفُوفِ الرجال أوَّلُها وشرُّها آخرُها، وخير صفوف النساء آخرُها وشرُّها أولها [4] حذرًا من افتتان آخر صفوف الرجال بأول صفوف النساء.
وكان الرجال في عهده صلى الله عليه وسلم يؤمرون بالتريث في الانصراف حتى يمضي النساء ويخرجن من المسجد لئلا يختلط بهن الرجال في أبواب المساجد مع ما هم عليه جميعًا رجالًا ونساء من الإيمان والتقوى؛ فكيف بحال من بعدهم ؟! وكانت النساء ينهين أن يتحققن الطريق ويؤمرن بلزوم حافات الطريق حذرًا من الاحتكاك بالرجال، والفتنة بمماسّة بعضهم بعضًا عند السير في الطريق.