ومعلوم أن جلوس الطالبة مع الطالب في كرسيِّ الدراسة من أعظم أسباب الفتنة، ومن أسباب ترك الحجاب الذي شرعه الله للمؤمنات ونهاهن عن أن يبدين زينتهن لغير من بيَّنهم الله سبحانه في الآية السابقة من سورة النور، ومن زعم أن الأمر بالحجاب خاصٌّ بأمهات المؤمنين فقد أَبْعَدَ النُّجْعَة [3] ، وخالف الأدلَّة الكثيرة الدالَّة على التعميم، وخالف قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزَاب، من الآية: 53] ، فإنه لا يجوز أن يقال: إن الحجاب أطهر لقلوب أمهات المؤمنين ورجال الصحابة دون من بعدهم، ولا شك أن من بعدهم أحوج إلى الحجاب من أمهات المؤمنين ورجال الصحابة رضي الله عنهم؛ لما بينهم من الفرق العظيم في قوة الإيمان والبصيرة بالحق؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم رجالًا ونساء ومنهن أمهات المؤمنين هم خير الناس بعد الأنبياء وأفضل القرون بنص الرسول صلى الله عليه وسلم المخرَّج في الصحيحين. فإذا كان الحجاب أطهر لقلوبهم فمن بعدهم أحوج إلى هذه الطهارة، وأشد افتقارًا إليها ممن قبلهم، ولأن النصوص الواردة في الكتاب والسنة لا يجوز أن يخص بها أحد من الأمة إلا بدليل صحيح يدل على التخصيص؛ فهي عامة لجميع الأمة في عهده صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة، لأنه - سبحانه - بعث رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين في عصره وبعده إلى يوم القيامة - كما قال عز وجل: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعرَاف، من الآية: 158] ، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سَبَإ، من الآية: 28] .