بين القتل - إن فَحُشَ شره ولم يُرْجَ صلاحه، وبين العفو عنه أو قبول الفدية منه - إن كان المعروف يملكه، ويسهل به إلى خير، وبين أن يسترقه إن رأى أن بقاءه بين أظهر المسلمين يصلح نفسه، ويقوِّم اعوجاجه، ويكسبه معرفة بطرق الهدي والرشاد، وإيمانًا بها، واستسلامًا لها؛ لما يراه من عدل المسلمين معه، وحسن عشرتهم، وجميل معاملتهم له، ولما يسمعه من نصوص التشريع في أحكام الإسلام وآدابه، فينشرح صدره للإسلام، ويحبب الله إليه الإيمان، ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وعند ذلك يبدأ حياة جديدة مع المسلمين، يكون بها أهلًا لكسب الحرية بطريق الكتابة - كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النُّور، من الآية: 33] ، أو بطريق العتق في كفارة يمين أو ظهار أو نذر ونحو ذلك، أو بطريق العتق؛ ابتغاء وجه الله، ورجاء المثوبة يوم القيامة، إلى غير ذلك من أنواع التحرير.
وبهذا يعلم أن أصل الاسترقاق إنما هو عن طريق الأسر أو السبي في جهاد الكافرين لإصلاح من استرقوا بعزلهم عن بيئة الشر، وعيشتهم في مجتمع إسلامي يهديهم سبيل الخير، وينقذهم من براثن الشر، ويطهرهم من أدران الكفر والضلال، ويجعلهم أهلًا لحياة حرة يتمتع فيها بالأمن والسلام، فالاسترقاق في حكم الإسلام كأنه مطهرة أو سون حمام يدخله من استرقوا من باب ليغسلوا ما بهم من أوساخ، ثم يخرجوا من باب آخر في نقاء وطهارة وسلامة من الآفات.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.