فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 4864

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله - في"منهاج السُّنة":"فإنَّ الاحتجاج بالقَدَر باطلٌ باتِّفاق أهل المِلَل وذوي العقول، وإنما يَحتجُّ به على القبائح والمظالم مَنْ هو متناقضُ القوْل، متَّبعٌ لهواه، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطَّاعة قَدَرِيٌّ، وعند المعصية جَبْرِيٌّ؛ أي: مذهبٌ وَافَقَ هَوَاك تَمَذْهَبْتَ به، ولو كان القَدَر حُجَّةٌ لفاعل الفواحش والمظالم - لم يَحْسُن أن يلوم أحدٌ أحدًا، ولا يعاقب أحدٌ أحدًا؛ فكان للإنسان أن يفعل في دم غيره وماله وأهله ما يشتهيه من المظالم والقبائح، ويَحتجُّ بأنَّ ذلك مقدَّرٌ عليه".

وقال:"وليس لأحدٍ أن يَحتجَّ بالقَدَر على الذَّنْب باتِّفاق المسلمين، وسائر أهل المِلَل، وسائر العقلاء؛ فإنَّ هذا لو كان مقبولًا لأمكن كلَّ أحدٍ أن يفعل ما يَخْطُرُ له؛ من قتل النُّفوس، وأخْذ الأموال، وسائر أنواع الفساد في الأرض، ويحتجَّ بالقَدَر! ونَفْسُ المُحتجِّ بالقَدَر إذا اعتُديَ عليه، واحتجَّ المعتدي بالقَدَر - لم يَقبلْ منه؛ بل يتناقض، وتناقض القوْل يدلُّ على فساده؛ فالاحتجاج بالقَدَر معلوم الفساد في بداية العقول". انتهى.

وما وَقَعْتَ فيه هو منَ اختياركَ المَحض؛ فالله - عزَّ وجلَّ - قد خلق الأسباب ومسبِّباتها، وأعطى عباده العقولَ، والاختيارَ، والمشيئةَ، والقدرةَ على العمل بما شاء تحت مشيئته وقدرته، فالمَرْءُ لن يعمل إلا بما سَبَقَ في كتابه، ولكنَّه لمَّا أُتيحَ له منَ الأسباب ما يمكِّنه من سلوك الطَّريق السَّوِيِّ، وبُيِّنَ له ذلك، وجهل ما قدَّره الله له منَ السَّعادة أو الشَّقاوة يوم القيامة - كان عليه أن يعمل ويأخذ بالأسباب الشَّرعيَّة، ويدع ما سواها، ولا يتَّكِل على ما كُتِبَ أزلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت