والمؤمن الذي يعلم أن الدنيا دار زوال، وأنه منتقل منها، وأن الدنيا بحذافيرها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، المؤمن الذي يعلم أن الدنيا غرارة مكارة لا يحزن على ما فاته منها، لأنها ليست داره ولا قراره، ودار المؤمن وقراره هي جنات النعيم في صحبة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وفي رضى الرب الرحيم.
ولا يحصل على السعادة إلاّ المؤمن بالقضاء والقدر الذي يوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( ولو أنفقت مثل أحد ذهبًا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النار ) )، ويقول: (( عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ) )؛ رواه مسلم.
وعليكَ أن تتذكر نعم الله عليكَ التي لا تحصى ولا تعد - وأعظمها الإسلام - وأن ما أصبت به من البلاء في مقابل ما أسبغ الله عليك من النعماء لا يساوي شيئًا يذكر، فكم من الناس يتضجر ويتسخط للفقر الذي نزل به، أو المرض الذي ألمَّ به، وينسى حين ذاك أنه غارق في نعم الله عليه، فهو يتمتع بنعمة الحياة، ونعمة البصر، وإلاَّ لكان أعمى يقاد في الطرقات لا يهتدي سبيلًا، ونعمة السمع وإلا لكان أصم يتحدث الناس بجواره ولا يعقل ما يقولون، ونعمة العقل وإلا لكان مجنونًا يقذره الأقربون، ويلعب به الأطفال، ونعمة اللسان وإلا لكان أبكم لا يفصح عما يريد، ونعمة الهواء والماء والطعام والمسكن والأولاد وكل شيء حوله، وصدق الله إذ يقول: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان:20] .
فإذا تذكرتَ هذه النعم هان عليك الخطب، وسهل عليك ما تجد من البلاء.