فإن حديث لعن الربا، وكتابه، وشاهديه لا يحتمل تأويلًا، وهو متوجه إلى الكاتب، والشاهدين، والكتابة، والشهادة ليستا بمعصية بدليل جوازهما في البيع ونحوه، فهذا ناقض للدليل الأول.
كما أنَّ الربا لم يقم بعين الكتابة، والشهادة إذ هو منعقد دون توقف عليهما، وهذا ناقض للدليل الثاني.
كما أنهما أعني الكتابة والشهادة غير متعينتين على الكاتب والشهود وهذا ناقض للدليل الثالث.
ومع هذا كله جاء لعن الكاتب والشهود فدل ذلك على أن المنع من أجل الإعانة والرضى، وهذا متحقق في حمل الخمر، وإجارة الدار للفساد، ونحو ذلك، فلعل حديث الربا الذي لا إجمال فيه يوضح حديث الخمر، ويبين ما أجمل فيه.
هذا وقد أجاب صاحب فتح القدير عن ما علَّل به أوب حنيفة مذهبه في هذه المسألة قال: (أقول ينتقض هذا التعليل المذكور من قبل أبي حنيفة رحمه الله في هذه المسألة بمسائل متعددة مذكورة في الذخيرة والمحيط، وفتاوى قاضيخان، وسائر المعتبرات من غير بيان خلاف في شيء منها من أحد من أئمتنا، منها أنه إذا استأجر الذمي من المسلم بيعة ليصلي فيها فإن ذلك لا يجوز قال في المحيط والذخيرة لأنه استأجرها ليصلي فيها، وصلاة الذمي معصية عندنا، وطاعة في زعمه، وأي ذلك اعتبرنا كانت الإجارة باطلة لأن الإجارة على ما هو طاعة، أو معصية لا تجوز، انتهى.
ومنها أنه إذا استأجر المسلم من المسلم بيتًا ليجعله مسجدًا يصلي فيه المكتوبة، أو النافلة، فإن هذه الإجارة لا تجوز في قول علمائنا، وعند الشافعية تجوز قال في المحيط، وهذا لأنها وقعت على ما هو طاعة فإن تسليم الدار ليصلي فيها طاعة، ومن مذهبنا أن الإجارة على ما هو طاعة لا تجوز ... ومنها أنه إذا استأجر ذمي من ذمي بيتًا يصلي فيه لا يجوز، قال في المحيط والذخيرة لأن صلاتهم طاعة عندهم، معصية عندنا، وأي ذلك كان لم تجز الإجارة، انتهى.
إذ لا يخفى أن التعليل المذكور في الكتاب من قبل أبي حنيفة في مسألتنا يقتضي أن لا تبطل الإجارة في تلك المسائل أيضًا فإن الإجارة إنما ترد على